ينطلق عبد الغني بارة، في كتابه الضخم «الهرمينوطيقا والفلسفة ـ نحو مشروع عقل تأويلي» من مسلمة مفادها أن كل تأويل هو بحث عن معنى قد يكون مخفي وقد يكون مهمشا أو منسيا. كما أن التأويل بالنسبة له يخترق كل حدود الفكر والمعرفة والثقافة ليعيد بناءها واكتشاف مضامينها من جديد، بحيث يقوم التأويل بإحياء النصوص الميتة ليبعث فيها الحركة والفعالية، الأمر الذي يؤدي إلى تعرية الخطابات الثقافية والأيديولوجية وفضح مضمراتها وتبديد أوهامها.
فالتأويل اليوم ـ كما يوضح المؤلف ـ هو «أصل المناهج كلها»، سيما وأنه تحول في الفكر المعاصر من تأويل النصوص إلى تأويل الثقافات، وذلك عندما بدأ بإعادة قراءة تلك الثقافات وتقويض أنظمتها المركزية، وتتبع تحولات المفاهيم والمقولات داخلها، بالإضافة إلى اكتشاف الأنساق الخفية المنسية قهرا وتهميشا. ولذلك يمكن القول إن التأويل كرس مناهجه للاهتمام بمناطق مغمورة أزيحت أو أضمرت بفعل القهر والإلغاء، الأمر الذي منعها من أن تمارس دورها في الوجود والحضور.وفق هذا التوصيف لوظيفة التأويل يبدأ المؤلف رحلته الطويلة لتتبع مسار الممارسة التأويلية ابتداء من بدايات الفلسفة الإغريقية مروراً بالفلسفة العربية الإسلامية وعلم الكلام والفقه، وانتهاءً بالعقلانية الأوربية والفكر الغربي المعاصر. حيث مارست مختلف الثقافات آليات التأويل على مر العصور، في إطار علاقتها وتفاعلها مع وجودها وصناعتها لتاريخها عبر سلطة اللغة.
هكذا يبدأ عبد الغني بارة رحلته برصد تحولات العقل التأويلي في الحضارات القديمة، ليجد أن التأويل ارتبط بتفسير النصوص الدينية، قبل أن تأخذ به الفلسفة اليونانية لتحوله إلى أداة لتشكيل الأفكار وبناء المنظومات المتأملة للكون، بالإضافة إلى اتخاذه كوسيلة لنقد المعارف القديمة.
البداية الفلسفية كانت مع أرسطو الذي يعود له الفضل في لفت انتباه من جاء بعده إلى وجود إمكانية التأويل في الكلام، والنظر إلى الخطاب على أنه التجسيد اللغوي للفكر والروح. أما في التراث المسيحي - اليهودي فقد كان للتأويل دور كبير في إخراج النصوص الدينية من التفسيرات الحرفية والجامدة التي تقتل معنى النص وتسد أفقه، إلى التأويل المجازي والرمزي الذي به تتجدد النصوص وتبقى فاعلة.
ومع العصور الحديثة تحول التأويل، على يد شلايرماخر، إلى نظرية عامة في الفهم لها قواعدها التي تقوم على التمييز بين، التأويل النحوي الذي يدرس الخطاب من خلال اللغة، والتأويل النفسي الذي يدرس الكيفية التي تنبثق بها الأفكار من داخل العقل، ومدى تأثير الحياة النفسية على أسلوب كتابة النص.
وعلى الرغم من أن الكتاب هو دراسة لفلسفة التأويل في الفكر الغربي إلا أنه لايتوانى عن إفراد قسم منه لدراسة قضايا التأويل في الثقافة العربية الإسلامية. إذ يقدم المؤلف نقداً موضوعياً ومعرفياً للقراءات التأويلية المعاصرة للتراث العربي الإسلامي. وملخص هذا النقد أن تلك القراءات، إما أنها تقرأ التراث العربي الإسلامي قراءة لا تاريخية أو تختزل التراث إلى مذاهب وتيارات متناحرة، أو تقرئه وفق منهج انتقائي تمجيدي.
ولذلك يدعو عبد الغني بارة ولتلافي العيوب السابقة، إلى ضرورة التمييز بين الفهم الإيديولوجي للتراث، الذي يبحث وبشكل مسبق عن غايات وأهداف جاهزة ومقوّلبة، وبين الفهم الابستيمولوجي الموضوعي الذي يبحث في التراث من خلال رؤية متوازنة بين حاجات الذات وممكنات التراث.
هكذا ينتهي عبد الغني بارة إلى أن «التأويل» أمر يمكن الاعتماد عليه في مراجعة مشاريعنا الفكرية الكبرى، حيث يمكِّننا من إعادة النظر في تاريخنا وتراثنا، على أن لا تؤدي هذه المراجعة على الرحيل إلى الماضي والعيش معه في زمنه، بل إلى إحضار ذلك الماضي ليحيا بيننا عبر دمج آفاقنا بآفاقه، وهدم كل يقين مطلق وجاهز، بحيث نعيد اكتشاف الماضي من جديد ونبعث فيه الحياة من خلال تأويل فجواته ومناطق الغياب فيه ومقاومة إغراءاته وغواياته. هكذا يمكن أن نتفادى القراءات الاستهلاكية التي حبست التراث في أوهامها الأيديولوجية وبطولاتها الجوفاء
الكتاب: الهرمينوطيقا والفلسفة نحو مشروع عقل تأويلي
تأليف: عبد الغني بارة
الناشر: منشورات الاختلاف الدار العربية للعلوم ناشرون
الصفحات: 612صفحة
القطع : الكبير
رشيد الحاج صالح

