ثمانية من الفنانين اختاروا لتجمعهم اسم «جماعة الجدار» مع الحفاظ على التجربة الفنية الشخصية، وأسلوبهم الفني، ففي العام 1993 أعلنوا عن تأسيس جماعتهم، ومن يومها إلى الآن أقاموا ثمانية معارض، كان أولها في المجمع الثقافي عام 1994.

ليجتمعوا من بعدها مرة أخرى هذا العام في المكان نفسه من خلال معرض جديد يعكس تطور أساليبهم، مسخرين الفن في خدمة أفكارهم، فالفن وإن كان يعتمد في تقنياته على الشكل واللون، لكنه يستمد ألوانه وخطوطه من الفكرة التي تشكل هاجس الفنان. من هنا جاءت تسمية المعرض الذي نظمته هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بـ «أماكن مأهولة» بمشاركة الدكتورة نجاة مكي، إحسان الخطيب، أحمد حيلوز، طلال معلا، الدكتور عبد الكريم السيد، الدكتور محمد يوسف، محمد فهمي، ومحمود الرمحي. رموز موحية بداية الجولة مع أعمال الفنانة نجاة مكي التي قدمت خمس لوحات تبرز أهم ما وصلت إليه في تجربتها مع اللون، وكل ما يمكن أن يمنحه اللون من تدرجات تعكس أفكارها الفنية عن هذا قالت: الفن بالنسبة لي معايشة، وجزء من تكويني النفسي والروحي وعلاقتي مع الآخرين.

وأوضحت: اتخذت في أعمالي تشكيلات رمزية مختلفة ومتنوعة منها الدائرة، والمربع والمثلث، وأحياناً الجأ إلى استخدام خامات ومواد مختلفة أتعامل معها على مسطح اللوحة لتتخذ أشكالاً عشوائية ذات رموز ودلالات مبهمة.واستخدامي لهذه الأشكال يعبر عن تغيير المفاهيم للثقافة البصرية السائدة، وعندما تتغير عناصر اللوحة فهي تدخل في العمل الذهني الذي يساعد في الوصول بالعمل الفني إلى مراحل متطورة، تقود في كل مرة إلى أن العمل الفني يعطي قيماً جديدة لم تلاحظ من قبل ويحدث ذلك تغيراً في مفاهيمنا وإدراكنا ويؤثر أيضاً على شخصيتنا حسب الحالة النفسية والبيئة الثقافية والمزاجية ومستوى الإدراك.

توسط قاعة ابن ظاهر مكان عرض الأعمال العمل النحتي الذي نفذه الفنان محمد يوسف وهو ما يذكرنا بكل تجاربه السابقة وعلاقته الوطيدة مع الطبيعة في محاولة منه لجعلها تعيش في الأبد، ومن اللافت تلك العلاقة الفلسفية التي تحركه لإنجاز عمل ما، قال: رغم التجربة إلا أني أخاف من الخطوة الأولى أبحث عنها في كل مكان، أين وكيف سأقف ومن سيساعدني على السير.

أنا مشدود بالبداية، قلقي يدفعني إلى الأسئلة السرابية، ولا توجد لها أجوبة أو ربما يتأخر الجواب، ولكنني سأستمر بالبحث عن الخطوة ولا احلم بالوصول إليها حتى أكمل الاستمتاع بالبحث عنها.

واسترسل مفسرا: أنا مسكون بأشياء جميلة أنتم لا ترونها ولا تشعرون بها.. وسأبقى الهث حباً في البحر والصحراء والطبيعة كلها، شمسها وقمرها حتى ظلي لن تعرف كم أنا عاشق الطبيعة.

ومن منحوتات يوسف إلى تعبيرية محمد فهمي وعبر زوايا لوحاته يرقص اللون ويتفجر شظايا لا محدودة من التدرجات، يذهل العين بذلك المدى اللانهائي للون من وراء هذا يكتشف المتجول ملامح لمدن، بركان لنيران باردة وألف شيء آخر تجعل من المتلقي مشاركا حقيقيا في العملية الفنية.

تفسيرا لفلسفة فنه أوضح فهمي: تعتبر الخمسة أعمال المعروضة استمرارا لتجربتي، في الماجستير الذي حصلت عليه في السكون المتحرك، وفي اللوحة سيلاحظ المتلقي أني أبحث في حركة اللوحة وليس في سكونها، من خلال الألوان التي وضعتها، والتي توحي بالحركة.

الدهشة والمرأة

ومن اللون إلى الدهشة في أعمال الفنان إحسان الخطيب، وهو ما يحاول أن يوصله عبر لمسات فرشاته التي تركها بسمكات متفاوتة على سطوح القماش، مع عدم وجود أي حرج بكتابة بعض العبارات بالخط العربي.

عن علاقته بالفن قال الخطيب: الرسم من وجهة نظري كالموسيقى إحساس، نغم لوني، ينساب بأمواجه إلى داخل النفوس فيداعب المخيلة كما القلب مما ينتج عملية الإثارة التي تورد كم من الصور الذهنية المتلاحقة تضيف إلى اللوحة أبعادا جمالية أخرى نابعة من مشاعر وأحاسيس المشاهد نفسه، فمصداقية العمل نابعة من مصداقية مشاعر الفنان بتلبس الحالة، ولوحاتي دائماً تمثل الحالة، أرسمها بأسلوب أسميته التعبير التجريدي عن الحالة، فانا العب حرا مع الألوان، تنساب تلك الألوان على قماش اللوحة بتلقائية المد والجذر.

أما الفنان عبد الكريم السيد فتحتمل اللوحة أفكاره المكثفة التي ترتبط بقضية العرب الأولى المركزية، من خلال طرح تشكيلي قوامه الجسد الأنثوي، والمرأة في لوحة السيد تحيلها مباشرة إلى الانتماء اللوني إلى الفضاء المحيط الذي تشكلت منه مادة ذلك الجسد، ولهذا جاءت ألوانه قريبة من الحلم، رغم مرارة الواقع في فكرته إذ إن المرأة تستنجد بالمعتصم ومازالت تنتظره منذ أكثر من ستين سنة.

وطرح الفنان أحمد حيلوز هموم الفنان الحقيقي، والتي تتعلق بالإنسان العربي من أمور حياتية واجتماعية وسياسية وقومية، وبالأثر الذي يتركه في الحياة.

وعبر آخر ما توصل إليه في عالمه عالم النحت، استخدم الألواح المعدنية التي استخدمت في طباعة الصحف، وجدها ما زالت تحمل أثاراً لأخبار سارة أحياناً، ومحزنة في معظم الأحيان، ومنوعة بين الثقافة والسياسة والرياضة والمحليات، وجدنا عاملاً مهما يغني بها رؤيته الفنية والفكرية، ويواصل من خلالها مشروعه الفني.

ونهاية الجولة مع الفنان طلال معلا ووجوهه الصامتة الحزينة، التي تعبر كما فسر عن حالة الصمت العربي، وذلك من منطلق اعتقاده أن الفن حاجة اجتماعية، بكل ما يحمل من قيم.

وعن حالة الحزن التي تتشبع بها لوحاته قال معلا: حزني ايجابي بكل الأحوال، إنه يضاعف علاقتي بأي شيء، ويجعلني أهجو بشكل صحيح أية رؤيا، وهو يمنحني تداعياً أبلغ من الصمت كي أقف على المعاني الدفينة للصورة التي أنشد رسمها. إنه نوع الرؤيا التي استثمرها كي أنجز أعمالي أو أمسح بها أفكاري.. إننا بحاجة فعلاً للوقت كي نرثي الحياة، ونرثي ذواتنا المباشرة برغم كل ما يخنق تطلعها للانعتاق.

عبير يونس