في العاشر من مايو 2009 اختتم مسرحيون ينتمون لأكثر من 13 دولة عربية مهرجانهم المسرحي الأول في القاهرة وسط تفاؤل وفرح بعودة اللحمة العربية إلى المسرحيين العرب، حيث بقي هؤلاء المسرحيون وغيرهم من رفقاء الدرب يتنادون منذ زمن طويل بضرورة تحقيق هذا الاقتراب، وهذا الحفل الذي يجد فيه المسرحي العربي نفسه وفنه محاطين بالأحباب والأصحاب..

الهيئة العربية للمسرح وهي هيئة وليدة اطلقت بمبادرات وجهود كريمة ودعم شخصي من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة في العام الماضي، تبنت إطلاق الشرارة الأولى لهذا اللقاء الابداعي الموشى بالعروبة تحت عنوان «مهرجان المسرح العربي»، وتحقق أن أقيمت دورته الأولى في أجواء التف فيها المسرحيون العرب حول فنهم مدججين بالأحلام التي أعلنت عنها الهيئة. وأنها تأت في زمن يحتاج فيه المسرحيون العرب إلى المزيد من الاقتراب والى المزيد من تجييش الإبداع لصالح الهوية والحضارة العربيتين، بعدما تحطمت مراكب أحلام التوحد والالتقاء..ففي القاهرة وفي الفترة من الرابع وحتى العاشر من مايو، بحث العرب العديد من قضايا وظواهر المسرح العربي، سواء عبر جلسات الملتقى الفكري الذي نظمته الهيئة، أو عبر الحوارات والنقاشات التي احتوتها أروقة المهرجان وردهات صالات العرض.

أو عبر الندوات التطبيقية التي أقيمت للعروض، يضاف إلى ذلك المنفذ الإعلامي المتمثل في النشرة اليومية التي أصدرتها الهيئة مواكبة لأحداث وفعاليات المهرجان.. حيث وجد جملة من رموز المسرحيين العرب ضالتهم في هذا الملتقى للتعبير عن همومهم وهواجسهم في مسرح عربي معافى يؤدي رسالته وفق مجال خال من العثرات والكبوات.. ولهذا طغت على تلك الأجواء نبرة عالية محذرة من الكبوات التي عصفت بالحلم المسرحي العربي.. والتي عرقلت مسيرة التوحد المسرحي العربي خلال السنوات الماضية، وكان البعض اكثر صراحة.

وهو يعلن ضرورة ان يغتنم المسرحيون العرب هذه الفرصة من اجل مهرجان مسرحي عربي مميز ينعقد سنويا في دولة من الدول العربية ذات العضوية في الهيئة، وان تخرج عملية اختيار العروض المشاركة من دائرة التحكم الوظيفي عبر المؤسسات الرسمية للدول، وان تصبح المشاركة محسومة للعرض المسرحي العربي المتميز في إقليمه، وان يتجرد الاختيار عن كثير من الأمراض المعشعشة في دهاليز المؤسسات الرسمية، حيث لا زال المسرحيون العرب يؤمنون ان الجانب الرسمي العربي هو خاضع لمؤثرات الشد والجذب السياسي بين الدول.

. عديدة هي الأصوات الصادقة التي ذهبت إلى ضرورة بلورة مهرجان عربي رصين وقوي، هدفه الأعلى هو إعادة فن المسرح كضرورة في حياة المجتمعات العربية، وجعله منبرا صادقا وحرا، وان تسهم الهيئة العربية للمسرح ومهرجاناها الدوري في جمع واحتواء الكنوز المسرحية العربية المبعثرة اليوم في أرجاء الوطن العربي الكبير، والاهتمام بالمسرحيين انفسهم ومد يد العون لتجاربهم الفنية، واعلاء شأن الابداع المسرحي العربي وفتح افق العالمية إمامه، والحديث باستمرار وبكثرة في شؤونه وشجونه..

تسكن هذه الأماني صدور المسرحيين العرب الذين حضروا فعاليات الدورة الأولى لهذا الوليد الذي يصرون على إبقائه حيا، وان يقوى على مقارعة العوائق مهما كان نوعها ومدى تأثيرها.. ولا يخفى على المراقب استشعار التفاؤل هذه المرة لسبب وجيه ووحيد وهو ان حاكما عربيا مثقفا يقف خلف هذا المشروع العربي الذي يحمل صباحات مشرقة لمستقبل الحركة المسرحية في العالم العربي..

المسرحيون ونكبات التوحد

لسنوات طويلة بقي اجتماع المسرحيين العرب تحت شعار المسرح العربي حلما ورديا تدفعه روابط الدم وأواصر العروبة والقومية، وعلى مر تلك السنين تنادى المسرحيون العرب جماعات وفرادى إلى ضرورة بلورة حالة عربية في المسرح كظاهرة واضحة وبينه ومؤثرة في المشهد الثقافي العام في المحيط الى الخليج، وحينما تكسرت مجاديف تلك الأحلام، راح بعضهم يقاوم ولو بأقل نسبة من تحقيق الحلم.

فحدث ان تجمع مسرحيون عرب في مسرحية واحدة، وحدث ان تبادل المسرحيون نصوصهم ورؤاهم الفنية، وحدث ان اقيمت تجمعات مسرحية عربية ما لبثت ان انقشعت الريح في خيامها، تحت وابل الظروف، وطبيعة التوتر وعدم الاستقرار بين البلدان العربية.. شعر المسرحي العربي ان مسرحه جسد ممزق، وشعر انه محارب ومكافح لأنه يسعى الى مخالفة التيار واحداثه، ويغوص بعض المسرحيين في وحل الظنون والهواجس، فيما بعضهم قد تمثل محارب الطواحين الدون كيشوت.

لماذا مسرح عربي؟ وليس المسرح في الوطن العربي؟

سؤال مجلجل في فضاء الدعوة للتوحد وفرز فن خاص بالعرب دون سواهم في العالم اجمع..الجزائري بن ابراهيم فتح النور يقول: الحديث عن المسرح العربي يعني إقصاء لتجارب مسرحية عالمية مهمة والمسرح لا جنسية له وهو الفن الوحيد الذي يمتلك ابداعه المشتركة ولذلك افضل التعبير «المسرح في الوطن العربي»، حتى لا نشعر بالعزلة عن الحركة المسرحية العالمية..رأي اكثر منطقية حينما يتسع الافق عبر الفن والإبداعات الإنسانية ليلتصق بالإنسان دون محددات اللون والجنس والأيديولوجيا. لكن مع ذلك يبقى العرب هم الناس في هذا الزمن بحاجة الى حضن دافئ، في كل شيء، حتى الرياضة وكرة القدم، فركل الكرة يجب ان يكون عربيا محضا.

في العام 1986 أسست ثلة من المسرحيين العرب برئاسة الراحل سعد الدين وهبة اتحاد المسرحيين العرب ومقره بغداد، واستبشرت الساحات المسرحية العربية بهذا الميلاد، حيث اخيرا بدا لكل مسرحي عربي ان هناك قبلة عربية للمسرح، بامكانها ان توفر الغطاء الكبير للاحلام والرؤى والابداعات، لكن وكما هي العادة عند العرب تبعثر وتفرق دم هذا الاتحاد ليوأد في مهده نتيجة احداث السياسة العربية التي لم يستقر لها حال في اي وقت من الاوقات.

. جاء غزو العراق للكويت ليفرق ابناء الدم الواحد وتقضي الحرب على المنابت الخضراء في جسد حلم الوحدة الثقافية العربية، وبعد انتهاء ازمة الاحتلال، بقي هذا الاتحاد يتيما حينما تفرق عنه الاحباب والاهل وانتهى عند نهاية الريح، حيث لم يترك هذا الاتحاد اثرا بارزا، وكأن شيئا لم يكن.

وفي العام 1988 وفي مهرجان بغداد المسرحي طرحت فكرة ملتقى سنوي للمسرح العربي دعا اليه مجموعة من المسرحيين من بينهم عبدالكريم برشيد من المغرب ومحمد المديوني من تونس وجهاد سعد من سوريا وحمد الرميحي من قطر وحاتم السيد من الاردن وعزيز خيون من العراق واخرون زملاء لهم، لكن ايضا تكسرت اجنحة هذا الحلم الذي شارف على التحليق، حينما اقيمت جلسة لاقرار المشروع، ولكن ايضا تبخرت كل تلك الجهود بسبب الغزو على الكويت..

وفي العام 1994 بدا المسرحيون العرب اكثر قوة باتجاه بعث الحلم من جديد، وتحقق لهم ان اقاموا الدورة الاولى لملتقى المسرح العربي في القاهرة، حيث عاش المسرحيون اماسيهم المسرحية باطمئنان، لكن كانت تلك الاماسي هي آخرها، فقد اعيدت الحسابات ووجد البعض ان هناك تضاربا بين مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وبين ملتقى للمسرح العربي. فتبخرت جميع الآمال..

الهيئة العربية للمسرح..الحلم العربي

فور انتهاء فعاليات الدورة الاولى لمهرجان المسرح العربي تحت مظلة الهيئة العربية للمسرح شعر المسرحيون انهم بعثوا الحلم المؤجل من جديد.. فهم يشعرون هذه المرة ان الهيئة العربية للمسرح وكونها نابعة من امارة الشارقة وتحت رعاية حاكمها المثقف والمسرحي بامتياز، ومع شعورهم بأن الكثير من عوائق الماضي لن تكون مؤثرة بحكم الرغبة الجامحة لدى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في رأب الصدوع في جسد الثقافة العربية، وانهم امام مكرمة كبيرة انحت الشعارات جانبا وبدأت في العمل، فقد تكون هذه هي الولادة الحقيقية لغطاء مسرحي عربي.

خطوات نحو الحلم

أصدرت الهيئة العدد «صفر» من مجلتها «المسرح العربي» وهي فصلية تعنى بشؤون المسرح في ارجاء الوطن العربي كما شهد المهرجان تدشين اول سلسلة تاريخ المسرح العربي، بعنوان «المختصر المفيد في المسرح العربي»، وتناولت الوجبة الأولى من هذه السلسلة نشوء الحركات المسرحية في البلدان ذات العضوية في الهيئة.

وقد تم اختيار نخبة من الباحثين المسرحيين العرب للقيام على هذه الإصدارات وهم د.حسن عطية «مصر»، د.رياض عصمت «سوريا»، د.سليمان الشطي «الكويت»، خليفة العريفي «البحرين»، غنام غنام «الاردن»، جان داوود «لبنان»، د. محمد المديوني «تونس»، د. حس رشيد «قطر»، البوصيري عبدالله «ليبيا»، د.عبدالرحمن بن زيدان «المغرب»، يحيى محمد سيف «اليمن»، فتحي عبدالرحمن فلسطين، د.حبيب غلوم «الامارات» د.عبدالكريم جواد «عمان».

من عروض الدورة الأولى «الحلم»

شهدت الدورة الاولى لمهرجان المسرح العربي 13 عرضا مسرحيا تمثل بلدانها، فيما استهل المهرجان بمسرحية «شمشون» التي ألفها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة. وقد كانت معظم العروض محور حديث نقدي شهدته اروقة المهرجان وندواته التطبيقية ومن هذه العروض: العرض المصري «سي علي وتابعه قفه» من تأليف الفريد فرج واخراج مراد منير والعرض المصري الثاني «السلطان الحائر» تأليف توفيق الحكيم واعداد واخراج عاصم نجاتي، العرض السوداني «المرجو اصطحاب الكبار» من تأليف واخراج عوض حسن الامام.

وتدور فكرة العرض حول احباطات الشباب العربي، العرض السوري «المهاجران» اخراج سامر عمران وتدور أحداثه حول شاب مثقف وآخر عامل يهاجران من بلد شرقي الى آخر غربي، العرض الجزائري «القطار الأخير» تأليف شيان فون هودينق ومن اخراج يحيي بن عمار وتدور أحداث العرض حول بطل يخرج من كرنفال شعبي ويعود لبيته ماراً بمحطة مهجورة منذ 1933، العرض الفلسطيني «أنا القدس» اخراج ناصر عمر الذي يتناول تاريخ القدس عبر المحطات التي شهدت فيه هذه المدينة الاستثنائية توالى الغزاة والمغتصبين، العرض الأردني «اشارات وتحولات» تأليف الراحل سعد الله .

ونوس واخراج زيد خليل مصطفى والمسرحية تعري بنية المجتمع والسلطات المتحكمة فيه الدينية والسياسية والاجتماعية والأمنية، العرض البحريني «عايشه» تأليف د. حبيب غلوم العطار واخراج جمال الغيلان وتجسد المسرحية معاناة امرأة خليجية من نظرة المجتمع لها. العرض الليبي «فليسقط شكسبير» تأليف واخراج محمد الصادق.

العرض الاماراتي «عنمبر» تأليف طلال محمود واخراج مروان عبدالله، العرض اليمني «الملك والثأر» تأليف علي الهيثم واخراج علي سبيت حول موضوع الثأر من خلال شخصية الشاعر امرؤ القبس والعرض التونسي «سينما» عن مجموعة من الشخوص تلتقي صدفة في مكان مهجور آيل للسقوط.

بوادر واقعية الحلم

قام المسرحيون العرب بانتخاب المجلس التنفيذي للهيئة العربية للمسرح حيث حل الدكتور اشرف زكي رئيسا للمجلس التنفيذي، واسماعيل عبدالله من الامارات امينا عاما للهيئة، والدكتور نبيل الفيلكاوي من الكويت نائبا للرئيس والمنصف السويسي من تونس نائبا للرئيس واحمد الجسمي من الامارات مقررا، وعضوية كل من: محمد الحرازي من اليمن، والدكتور شمس الدين يوسف من السودان، وجان داود من لبنان.

لقاء موشى بالعروبة

الهيئة العربية للمسرح وهي هيئة وليدة أطلقت بمبادرات وجهود كريمة ودعم شخصي من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة في العام الماضي، تبنت إطلاق الشرارة الأولى لهذا اللقاء الابداعي الموشى بالعروبة تحت عنوان «مهرجان المسرح العربي».

مرعي الحليان