يشبهون المكان بالكائن الحي، يشب ويشيب ويهرم ويتقاعد في آخر العمر كلما وجد أن الحاجة اليه قد انتفت! وربما تطويه الذاكرة لو نشأ على بقاياه مكان جديد بمواصفات العصر الذي يكون فيه، فالمكان على وفق هذا الرأي يعيش دورة حياة كاملة كأي كائن حي؛ غير أن بعض الأمكنة لا تموت تماماً، لكنها تظل في الخلود باقية حية كأنما الزمن الدائري يدور لها ومعها؛ فيتوالد من ذاته ليبعث أجيالاً جديدة إلى الحياة برائحة الماضي الأثيرة وسطوع الحاضر؛ فهل تحتفظ سبعة قرون برائحتها؟
لنأخذ سوق الوراقين البغدادي (السراي) مثالاً على هذا، وهو شارع المتنبي أيضاً الذي يشكّل رئة العراق الثقافية وموطن المكتبات وحاضنة المثقفين والأدباء..عمره، رائحته، حياته، أكثر من سبعة قرون، ولايزال مربداً للثقافة والعلوم والآداب، مثلما كان في العصر العباسي سوقاً للوراقين والكتبة والنسّاخ، يقصده أهل العلم والمعرفة والأدب من كل مكان.. هذا المكان كان زماناً فعاد مكاناً شاخصاً في عنفوان بغداد يوم كانت أهلاً للثقافة وأثراً متأصلاً بجذره العباسي يوم ولد ونما في نهضة ثقافية شاملة قادتها بغداد وترامت إلى الأمصار والأصقاع والبلدان في أكبر انفتاح حضاري عربي لم يسجل التاريخ القديم له مثيلاً.
وعندما اندثر سوق الوراقين وصار اسطبلاً للخيول العثمانية فلأنه كان مصدر معرفة!.. ومصادر المعرفة والثقافة تشكل عبئاً على المستعمرين.. وعندما بقي دجلة جارياً حتى اليوم، فلأن الغزاة المتعاقبين لم يستطيعوا ابتلاعه!..
ولو كانوا قادرين على ذلك لفعلوا! فدجلة شاهدٌ على كوارث الماضي التي حلت بهذا السقف الحضاري المعرفي الكبير.. وعندما نستحضر زماناً طوته السنوات وسنابك خيول التتار وطرابيش الجندرمة العثمانيين، فلنا أن نتصور الحبر العباسي الذي تحول إلى دماء غطت موج دجلة الأثير يوم اصطبغت مياهه بجثث المخطوطات الحية التي قذفها التتار بكل وحشية، فضاع المداد وبقي الأثر.
عصر الثقافة
كان سوق الوراقين غرّة بغداد وعين ثقافتها، وكان العلماء وطالبو العلم يقصدون مدينة السلام ليتزودوا من هذه الخزائن المعرفية النادرة، فثمة المدرسة المستنصرية التي يقع سوق الوراقين في فمها، وهي أول مدرسة نظامية عرفها العالم آنذاك، والقشلة المرتمية على صدر النهر.
والقصر العباسي الذي ما يزال شامخاً لمعماره الهندسي الفريد وبيت الحكمة الذي بناه الخليفة المأمون ونقل فيه علوم العالم ووضع له خيرة المترجمين من أهل بغداد؛ ولم يكن سوق السراي الحالي بطرازه الحديث إلا امتداداً لتلك الرائحة الحيية التي رسمت عصراً مزدهراً قبل أن تطفؤه عاصفة هولاكو القادمة من عصور البربرية والظلام مثلما أطفأ بغداد وأنوارها وأحرق مكتباتها ومثّل بمخطوطاتها الحيّة.
الماضي الذي يتجدد
بعد اندثار الخلافة العباسية ومقتل آخر خلفائها المستعصم بالله ضاعت معالم هذا السوق في سنوات الرماد والانطفاء، كما ضاعت بغداد برمتها في كهوف الغبار والظلام والنسيان، وإذا ماكان الزمن العثماني قد فرش عباءته في ظروف التناحر السياسي وضعف الدولة بعد قرون لاحقة، فإن بغداد أخذت تنهض واستشرى نور العلم والآداب في جنباتها، لا بفضل الطرابيش العثمانية الحمراء.
ولا بفضل النشاط التجاري، ولا بفضل الولاة الأتراك الذين تعاقبوا على المدينة باسم الإصلاح، إنما بفضل العراقيين أنفسهم الذين كانوا امتداداً لتلك القرون الزاهرة، ينبض في أعماقهم روح الشعر وروح الكتابة ومداد الإبداع والمعرفة، وتتدفق فيوض الشعر في مساربهم، وكان القهر السياسي الذي مثله ولاة كثيرون، بعد النكبة العباسية، أشعل فيهم جذوة التحدي والألق، والفصاحة المنتزعة من روح العصور المتتالية، فكان الماضي يعود ويتجدد بشكل آخر، والشواهد تبقى والشواخص تستدق عنوة؛ فكان أن استعاد سوق الوراقين عافيته، بملامحه العباسية ولكن أكثر اقتراباً من لغة العصر، وبتسمية عثمانية جديدة: سوق السراي.
السراي بمعانيه
السراي يراد بها بناية الحكومة أو مقر الحكومة العثمانية وتقع بالقرب من نهر دجلة من جهة الرصافة، وهي كلمة تعني أيضاً: دار الاعلام، وقد شيد الوالي مدحت باشا عدداً من البنايات الحكومية كدوائر البلدية والمحاكم. السراي، أيضاً، هو العمارة التي كانت تضم في العهد العثماني وزارة المعارف والشرطة العامة، كما كان السراي داراً لولاة بغداد منذ العصور العثمانية الوسطى.
إن التسمية الجديدة كانت وليدة عهد جديد، وقد انحسرت مفردة (الوراقين) كنتيجة طبيعية لمستلزمات حياة أخرى كانت أكثر إبهاراً بدخول مطبعة حكومية وضعت أساساً في اسطبل لخيول الجندرمة عام 1341 هجرية وكان هذا المكان من أوقاف محمد أمين الطبقجلي، ولكن الحكومة العثمانية اشترته منه بثلاثين ألف روبية.
وبلا شك فإن السوق ذاته امتلك شرعية وجوده هذه المرة بوجود مطبعة حكومية قضت على النسخ البطيء بدخول هذه الآلة، مع أن النسخ بالأصابع ظل إلى وقت طويل الطريقة المباشرة للكتابة واستنساخ المخطوطات التي تجود بها قرائح الشعراء والعلماء والأدباء وأهل المعارف، وكان هذا التطور العلمي مناهضاً لروح البراءة والعفوية في الكتابة الخطية، لكنه كان واقعاً لا مفر من الإقرار به.
سوق الوراقين
سوق الوراقين السابق يتصل بشارع المتنبي الذي يشكل لساناً طويلاً في فمه، وهو جزء لا يتجزأ من السوق، بل أصبح رئته النابضة، ومعدته الشرهة، فهو ماكنة دؤوبة لبيع الكتب، ومطحنة لا تهدأ في توفير الكتاب النادر، الثر، الثمين، المتميز، المفقود.. ولم يكن شارع المتنبي بهذا النشاط والإدمان المعرفي، لو لم يكن عمقه سوق الوراقين القديم.
المتنبي اسماً لشارع
قيل إن اسمه القديم (درب زاخي) وهو اسم سرياني يشبه اسم زاخو، المدينة العراقية في أقصى شمال العراق، ولا يوجد هناك أثر مرجعي يعطي تسبيباً لهذا الاسم الغريب، غير أن شارع المتنبي يمتاز برباط أرجوان الأرمنية، التي أسلمت، وهي والدة الخليفة المقتدي بأمر الله العباسي.
وقد أعيد بناء السوق قبل أكثر من عقد من الزمان بطريقة بناء حديثة، أعادت جزءاً كبيراً من سماته الشخصية، جمالياً ومعنوياً، لكنه بالتأكيد فقد بريقه الأول، إذ تنوعت بضاعته وكثرت دكاكينه، واستشرى فيه تجار الورق والكارتون والمخطوطات المسروقة والمراجع والقواميس وغرر الكتب العربية والأجنبية.
هامش
ما زال هناك سوق صغير يلتحم بسوق الوراقين متخصص بصناعة أسرجة الخيول، وكأنما رائحة الجلود المدبوغة فيه تذكرنا برائحة الماضي، حيث الخيول والاسطبلات والعلف والصهيل.. إنها رائحة وحسب.. فالروائح لا تموت.. إنها زمان؛ وزمان الحبر خالد وأزلي.
700 سنة من الحياة
خارج الزمن، خارج المناخ، خارج ظروف الطبيعة، خارج الفيضانات والطاعون والكوليرا والثورات والانقلابات الدموية؛ خارج أروقة السياسة والاستعمار بأرديته وشعاراته المختلفة، خارج القرون ذاتها، من الممكن جداً أن تبقى رائحة أكثر من سبعمئة عام أثيرة، خارج الأثر والتأثير، تنبثق من خثرة الزمان وتنام في بيت الذكريات.
تفجير شارع المتنبي
كأي صرح حضاري ومعرفي في العراق طالته يد الإرهاب المتخلفة، تعرض شارع المتنبي في 6 مارس 2007 إلى هجوم انتحاري نفذته عصابات القاعدة لتقتل العشرات من العراقيين وتحطم عدداً من المكتبات التاريخية، حيث دمر الهجوم «المكتبة العصرية» التي احترقت بالكامل، وهي اقدم مكتبة في الشارع، تأسست في عام 1908 وتضم آلاف الكتب التاريخية الثمينة .
والتي لا يمكن ان تقدر بثمن ولا يمكن ان تجدها في اي مكان، كما احترقت مكتبة النهضة وهي أكبر مكتبات شارع المتنبي وتضم آلافاً من الكتب التاريخية والدينية والقانونية، إضافة إلى احتراق وتخريب اكثر من سبعين متجراً و15 من المطابع الصناعية، كما تضررت مكتبة الشابندر العريقة وقتل عمالها وهم خمسة أخوة، وتعد «الشابندر» ملتقى الأدباء والمثقفين والكتاب والفنانين وأغلبهم من كبار السن، اعتادوا الحضور إلى هذا المكان.
الواضح ان الحكومة العراقية أدركت فجيعة هذا الحدث فسارعت إلى إعماره واصلاح اضراره الكبيرة فأظهرته بمظهر جديد يتناسب وتاريخية المكان، ويمكن القول ان شارع المتنبي هو المكان الوحيد الذي تم إعماره في بغداد حتى الآن!!
سوق السراي
لم يكن سوق السراي الحالي بطرازه الحديث إلا امتداداً لتلك الرائحة الحيية التي رسمت عصراً مزدهراً قبل أن تطفئه عاصفة هولاكو القادمة من عصور البربرية والظلام مثلما أطفأ بغداد وأنوارها وأحرق مكتباتها ومثّل بمخطوطاتها الحيّة.
وارد بدر السالم

