غيب الموت عن عمر ناهز 88 عاما شاعر أوروغواي الكبير ماريو بينيديتي، الذي يعد أحد الأساتذة الكبار في عالم الأدب الأميركي اللاتيني والذي سحر بأسلوبه السلس والمبدع والعميق عدة أجيال متعاقبة، وتمكن من ابتكار صيغة إبداعية وحياتية فريدة من نوعها مكنته من أن يجمع أجناساً إبداعية عديدة أتقنها من جهة، وبين الالتزامات الحياة اليومية والسياسية من جهة أخرى.
في 17 مايو الماضي قال قلبه، قلبه الدرع، كفى في بيته الكائن في مدينته مونتيفيديو، بعد 11 يوما من بقائه في غرفة العناية المشددة بسبب مرض مزمن في جهازه الهضمي أدى إلى نزيف في القولون واضطراب في الجهاز التنفسي. بعدها عاد ماريو بينيديتي إلى منزله إثر استجابة جسده الهزيل لعلاج طبي وكانت تلك المرة الرابعة والأخيرة التي يدخل فيها المستشفى في عام 2009 الجاري.وكما هو متوقع، جاءت مراسم جنازته وإلقاء النظرة الأخيرة على جثمانه في مجلس الشيوخ في أوروغواي لتعكس مدى حب الناس له وحبه للناس، الذين استمد أفكاره منهم في المقام الأول. أعداد غفيرة من مواطنيه وأصدقائه وزملائه وفي مقدمهم رئيس البلاد ومعاونوه شهدوا تلك المراسم.
صديقه ورفيق دربه ومواطنه الكاتب إدواردو غاليانو، مؤلف كتاب «شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة»، كان حاضرا وكان حزينا واختار كلماته بدقة عندما بادرته بعض وسائل الإعلام بالسؤال عما كان يدور في خلده إثر فقدانه قامة بحجم ماريو بينيديتي قائلا: «بينيديتو بالإيطالية تعني مبارك والشيء الوحيد الذي أستطيع قوله هو هذا، طوبى للنساء والرجال النبلاء والكرماء مثل بينيديتي»، مضيفا «أنا ضد التضخم الكلامي وليس المالي فحسب. الوجع يقال صمتا».
وهكذا أنهى ماريو بينيديتي عقده مع الحياة، ذلك العقد الذي استهله في 14 سبتمبر 1920 في مدينة «باسو دي لوس توروس» ـ تاكواريمبو ـ حين منحه والداه خمسة أسماء ماريو أورلاندو هامليت هاردي برينو، ولذلك أهدى قصيدة للابن الذي لم يرزق به قط واعدا إياه باسم أحادي المقطع.
شيء من الفكاهة الخفيفة، بعض الأمل، نثر منفتح ونبيه، نظرة يقظة تطل على عالم الطبقة المتوسطة، كل ذلك شكل مجموعة من العناصر الأصيلة التي لازمت أعماله الواسعة. بين عالم المنفى وعالم الشهرة عاش متنقلا بين مونتيفيديو،بوينس أيريس،ليما، هافانا ومدريد.
ريشته امتطت كافة أجناس الكتابة، كان قصاصا، روائيا، كاتبا مسرحيا، باحثا، صحافيا وشاعرا. نشر 80 كتابا. قصائده كانت تشق طريقها سلسة دائما إلى عالم الموسيقى والغناء وكانت تطبع على الملصقات وتوزع في كل الأصقاع. رواياته وقصصه تحولت بدورها إلى أفلام سينمائية حاصدة للتذاكر.
أبحاثه ـ ولا سيما «آداب القارة الخلاسية»، الذي نشره عام 1967 ـ كان لها تأثير كبير في عقول ونفوس الآلاف من القراء الشباب في أميركا اللاتينية. شكل جزءا لا يتجزأ من التيار الأدبي الذي سمي في ستينيات القرن الماضي «الأدب الأميركي اللاتيني الجديد»، وذلك إلى جانب كل من غابرييل غارسيا ماركيز، خوليو كورتزار، ماريو فارغاس لوسا،كارلوس فوينتيس،خوسيه بونسو، خوان رولفو، من بين آخرين، ذلك التيار التي اعتمد صيغة القصص الساحرة واللغة الرشيقة، مهارة مكتسبة من الروائيين الأميركيين والصحافة.
مؤلف رواية «الهدنة»، التي بلغ عدد طبعاتها 150 طبعة مترجمة إلى أكثر من 20 لغة حول العام والتي رشحت نسختها السينمائية التي أخرجها سيرخيو رينان لنيل جائزة أوسكار عام 1974، عاش طفولة ومراهقة قاسيتين للغاية. فلقد تعرض والده للاحتيال وأفلست صيدليته.
عام 1924 انتقل مع أسرته للعيش في مونتيفيديو ودرس بينيديتي هناك المرحلة الابتدائية في المدرسة الألمانية، حيث تعلم اللغة واكتسب عادة الدقة في المواعيد، حتى أخرجه والداه من هناك لأنه كان مجبرا على إلقاء التحية على الطريقة النازية. انتقل إلى المرحلة الثانوية ودرس في مدرسة «ليسيو هكتور ميراندا»، التي كانت تعد رمزا للتعليم العلماني.
وقد مارس ماريو بينيديتي العديد من المهن (بائع، محاسب، موظف، صحفي) قبل أن ينتقل للعيش في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس بين عامي 1938 و1941. في عام 1945 عاد ماريو بينيديتي مجددا إلى مونتيفيديو عاصمة أوروغواي، حيث انضم إلى أسرة تحرير جريدة «مارشا» الأسبوعية واسعة الانتشار وعظيمة التأثير، واستمر يكتب فيها إلى أن تم إغلاقها عام 1974 وفي نفس السنة (1945) صدرت له أول مجموعة شعرية بعنوان «أمسية لا تنسى».
في 1949عام صدرت له أول مجموعة قصصية تحت عنوان «هذا الصباح»، أما روايته الأولى فقد صدرت عام 1953 تحت عنوان «من منا»، لكن مجموعة «أهالي مونتيفيديو» القصصية الصادرة عام 1959 تعتبر عملا مفصليا في مسيرة ماريو بينيديتو الأدبية فقد أكد من خلالها نضجه الفني وامتلاكه ناصية أدواته السردية بامتياز، فضلا عن أنه حقق بفضل تلك المجموعة شهرة واسعة النطاق.
بصدور روايته «الهدنة» (1960) حقق بينيديتي شهرة عالمية ساحقة، حيث طبع الكتاب أكثر من مئة طبعة، وترجم إلى 20 لغة كما تم تحويل الرواية إلى شريط سينمائي، ومسرحية ومسلسل إذاعي وعمل تلفزيوني.
بداية من العام 1973 غادر ماريو بينيديتي بلاده مجددا ليبدأ فترة طويلة من المنفى دامت 12 عاما وتنقل فيها بين الأرجنتين وكوبا والبيرو واسبانيا.
كان بينيديتي ملتزما بقضايا مجتمعه خصوصا والقضايا الإنسانية عموما وكان مسؤولا سياسيا يساريا بامتياز وظل يدافع عن أفكاره الاشتراكية حتى آخر لحظة في حياته،وهو الذي قام بتأسيس «حركة 26 مارس» في عام 1971 وكان عضوا في المكتب التنفيذي للجبهة الموسعة، وهي ائتلاف يساري يتولى السلطة في الوقت الحاضر.
وإبان حكم الديكتاتورية العسكرية في أوروغواي،بين عامي 1973 و1985، أجبر الكاتب على السير في دروب المنفى من جديد فأقام في الأرجنتين والبيرو وكوبا واسبانيا.نال كاتب الأوروغواي الكبير عدة جوائز أدبية من أبرزها جائزة خوسيه مارتي وجائزة «مينينديث بيلايو» العالمية وجائزة الملكة صوفيا للشعر.
هناك من يقول إن ماريو بينيديتي برحيله ترك أدب أوروغواي وأميركا اللاتينية ميتما من أكثر شعرائه وروائيه غزارة في الإنتاج، لكن عزاء مريديه يكمن في أنه حظي بمحبة وتقدير أجيال متعاقبة بفضل أخلاقه الاجتماعية الرفيعة ونشيد حياته ذو النبرة الحزينة.
قصائده المغناة وقراءاته الشعرية جذبت آلاف الأشخاص من جميع الأعمار في كافة معارض الكتب التي كان يشهدها، المئات سعوا إلى الحصول على توقيعه كما لو كان ممثل سينمائي أو أحد نجوم موسيقى الـ «روك»، والكثير من الموسيقيين، مثل دانييل فيخلييتي، ألفيردو زيتاروسا،جون مانويل سيرات، بابلو ميلانيز، ناشا جيفارا وتانيا ليبرتاد، صنعوا من أشعاره أغاني للحب والمقاومة لا تنسى.
من بين التقديرات والجوائز الكثيرة والمتنوعة التي منحت له، تسلم عام 2007 في جامعة الجمهورية في مونتيفيديو وسام «فرانسيسكو دي ميراندا» من الدرجة الأولى، وهو أرفع امتياز تمنحه حكومة تلك البلاد، وذلك على مساهمته في ميدان العلم والتعليم وتقدم الشعوب. فلقد ابتكر شاعرنا الكبير كلمات ومصطلحات عديدة أغنت اللغة الاسبانية على غرار مصطلح «نقيض المنفى»، الذي يعد محفزا للكثير من أعماله.
تجربة بينيديتي مع المنفى طويلة ومريرة، فلقد اضطر لترك بلده عقب الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد عام 1973 وجلب حكما ديكتاتوريا إلى سدة الحكم، وتلك الديكتاتورية لاحقته في بلدان مختلفة لاعتقاله وتنفيذ حكم بالإعدام أصدرته بحقه.
لكن من رحم ذلك المنفى وقسوته راح يتشكل في بينيديتي شاعر المستقبل في تلك المرحلة العمرية بالذات، حيث يؤكد أليخاندرو خيران بارسينا، وهو أحد كتاب سيرته الذاتية، أنه تكوينه الشعري تشكل في تلك الفترة المبكرة من عمره، التي قرأ خلالها أمهات الأعمال الأدبية، إذ يحكى أنه في حين كان يقرأ للشاعر فيرنانديز مورينو، اكتشف أن بوسعه أن يكون كذلك أيضاً وأن القصائد التي قرأها كانت مصنوعة من ذات الشيئ الذي صنعت منه أفراحه وأتراحه، وفي تلك الفترة بالذات كتب ماريو الفتى قصائد حب إلى لوس لم تجبه عليها قط.
تشمل قائمة نتاجه الواسع أكثر من 80 كتابا تتأرجح بين القصة والرواية والشعر والمسرح والبحث، وترجمت أعماله إلى 20 لغة حول العالم، من بينها رواية «الهدنة، الصادرة عام و1960التي ترجمها الزميل صالح علماني إلى اللغة العربية، و«شكرا على النار» ـ 1965 ـ و«عيد ميلاد خوان أنخيل» ـ 1971 ـ و«ربيع مع ركن مكسور» ـ ، التي تسلم عليها جائزة الشعلة الذهبية التي منحته إياها منظمة العفو الدولية عام 1987، و«هراء المقهى» ـ 1992 ـ و«أنداميوس» ـ 1996 ـ .
أعماله الشعرية الكاملة، التي منحته جائزة الملكة صوفيا عام 1999، جمعت في مجلدات سميكة تحت عنوان«جرده 1» و«جرده2 «وجرده3»، وكان بينيديتي يعكف، قبل في آخر أيامه على العمل على ديوان شعري جديد، عنوانه المؤقت هو«سيرة لأجد نفسي».
قصيدة غير منشورة لماريو بينيديتي
أريد أن أبقى وسط الكتب
أن أرتج مع روكي دالتون مع
فاييخو وكيروغا
أن أكون إحدى صفحاته
الصفحة الأكثر عصيانا على النسيان
ومن هناك، أريد محاكمة العالم المسكين
لا أبتغي أن يجلدني أحد
أريد التفكير بريفية
بحدقتين خضراوين في ذاكرة صافية
في كتاب الفرض لليلة مرتقبة
كتاب ألفباء أحاسيسي
ريفية تعرف كيف تستريح في أسمائي العزيزة
تغمرني الراحة بين أكوام من الورق
فيها ظروف مكانية وزمانية هي إظهارات
مقاطع لفظية تسألني العون
صفات تبدوا لعبا
أريد أن أبقى وسط الكتب
فيها قد تعلمت أن أخطو
تعلمت التعايش مع المهارات والنفخات الحية
تعلمت فهم ما أبدعه آخرون
تعلمت أن أكون هذا القليل الذي أنا عليه .
باسل أبو حمدة

