البخار: رسائل لم تصل بعد، ولن تصل، لأن الذائقة الحسية التي تسمّينا، ما أشبهها بسور صيني عال وسميك، كثيراً ما توقع بنا، إذ نستسلم لتيار الذائقة هذه كمن يغفو بينما جسمه يحلّق به عالياً

ما الذي يُلهِم في البخار عموماً وفيما يبقيه سرَّاً خصوصاً؟ لعله، أو ربما يكون البخار نفسه، ما يبقي البخار بخاراً، وهو الذي يتبدَّى أنفاساً يصعب حصر أنواعها في البعد والقرب، في الرؤية والشم. إن الطبيعة هي التي تعلِمنا بذلك. ثمة ما يمكن شمَّه ورؤيته معاً، حسب درجة الكثافة القائمة والقوة المنتشرة. ربما هي أمطار مندوفة في عملية عكسية لهطول المطر، وإيحاءات أعماق وإيقاعات ترتسم عيانياً، كأن ثمة حالات بوح تكاد مصدرها.

ذلك يخص أعماق الأرض، تفاعلات مكوناتها، كائناتها، كيفية تسيير الأعمال المشتركة في غفلة أسمائها، أسهمها غير المسجَّلة لتزيد غموض المشموم والمرئي غموضاً، حيث المدى الذي يوهَب للبخار، والحركة الإيقاعية له، والأثر المتحصَّل منه بصمات يسهل الشعور بها، أما عن ضبطها وتحليلها وتسميتها بأسمائها فأقرب إلى الاستحالة، ولو أننا لا ندَّخر جهداً في سرعة إطلاق الأسماء والتسميات على المعتبَر: ظواهر طبيعية بيقين لا يخالطه شك، أي يقين قاطع، وكأننا نحيط علماً بما يجري في خفية عنا. ادّعاء يعرّف بما لا يمكن الجزم به !

ما يزيد في ثراء البخار ثراء، هو هذا البخار الآخر العائد إلينا، فيما يرتد إلى أفعالنا وأعمالنا، ونحن نتحرك في دنيا الصناعات، بقدر ما نحاول الابتداع في تقطير الروائح: لامرئي البخار، وما يعود نسَباً إلى مطابخنا وأوعية المطبوخ حيث تتنوع بقدر ما تختلف الروائح التي يتضمنها البخار هذا، وأية رغبات تكون فاعلة فيها.

بين الكم الهائل من أجناس البخار أو أنواعه في الطبيعة، والكم المتنامي والمتعدد المقامات في دنيا ثقافتنا والذين ينتمون إليها اعتقادياً وذوقياً، وزاوية النظر إلى الحياة...الخ، يجدر بالبخار أن يتباهى باسمه وموقعه، بما ينطوي عليه في دقائق أسراره، أعني جماليات الحسّي والرمزي فيه وهي تتلبسنا وتحول دون التعمق في أصوله.

ما يحيل عليه باعتباره دبيب أرواح الطبيعة اللامحدودة، ولسان حال المطبوخ، عافيته أو المتدبَّر باسمه بالتأكيد!

البخار: رسائل لم تصل بعد، ولن تصل، لأن الذائقة الحسية التي تسمّينا، ما أشبهها بسور صيني عال وسميك، كثيراً ما توقع بنا، إذ نستسلم لتيار الذائقة هذه كمن يغفو بينما جسمه يحلّق به عالياً، فلا يعود في وسع قواه الحية التوفيق بين سرعة الانقياد وراء البخاريّ في حفلته الطبيعية الصامتة، الحفلة الشعائرية- التعزيمية في الصميم، وسرعة التخلي عن الضبط العقلي لما هو عقليه.

فالبخار ينفذ في المسامات، إنه إبر صينية من نوع آخر، في فعل التطرية التي نتخيلها مسبقاً، وجه بحريٌّ في تلاطم أمواجه الصامت، وربما فخاخه التي تنصَب لمن ينسى حدوده، من يكُون موقعاً، فيساء إلى فعل البخار بالذات، بقدر ما يكون العجز عن قراءة الرسائل الجامعة كتابةً بين أول الماء وأول النار، بما أن البخار سر مركَّب، حتى بالنسبة لما يرتد إلينا من جهة المِلكية، أعني أبخرة الطعام، وبلغة الجمع، وليس من بخار أحادي، إذ يستحيل وجود بخار بسيط، يتنفسه جسم واحد في قطعه لمسافات متفاوتة طولاً وعمقاً عوالم أرضية خفية، وفي اللحظة التي تبرز فينا غواية الانطباع الأول دونما التمكن من بلوغ نهاية هذا الكائن الهش انتشاراً، الفائق قوة في نفاذ مفعوله بالمقابل.

أنفاسنا أبخرتنا الجسمية، أما تلك المتعلقة بالروحية فتنعطف على مسمّيات يصعب وربما يستحيل التكهن بمصادرها، لأن ما يهِبُ الجسد حركته ويسلبها منه يبقي سرَّه معه، ونحن مع سوانا طوع السر المغلق ذاك.

حتى لغاتنا ما أشبهها بالبخار الذي تأتلفه اتفاقاتنا وهو يملأ علينا، نحن البشر، سماء تفكيرنا، ويستجيب لرغباتنا بمقاييس متغيرة، لتفارقنا اللغات هذه بقوانين ناظمة لها، وكأنها تستولدنا وليس العكس، كما هو البخار الذي يسهل الشعور به، أما تتبع أمره أو تعقب ذيوله فيحتاج قويً ضاغطة، نحسب لردود أفعالها كثيراً. حسبنا أننا نتكلم، نتفاعل لغوياً، كما هي الكائنات بأمزجتها البخارية الخاصة، فكل تعقيد دخول في اللارؤية وربما التيه.

على رسائل البخار ألا تصل، ولن تصل، فما خيالاتنا وتصوراتنا إلا حصيلة انتظارها المستحيل. إنها أبخرتنا الروحية الخاصة، توقعاتنا الدائمة وسط بخار يحول دون رؤية البعيد، لنهنأ بالممكن، إذ تكون قناعاتنا...

إنه وجه آخر من وجوه العلاقة الناقصة التكوين والتبيين، بيننا نحن الذين ندّعي سيطرة على الطبيعة، وبين الطبيعة ذاتها وهي في وجوهها العصية على الحصر. تلك أرواح كائنات، تمتزج أو تختلط، أو تجتمع مع بعضها بعضاً باتفاقات خارج منطقنا الحسابي، رسائلها المشتركة، حتى تلك التي تعنيننا مباشرة فيما نطبخ أو نسخّن، إذ تتأكد الحلقة المفقودة، بقدر ما تشهد هذه على مدى رغبتنا في اشتهاء ما لا نريد معرفة حقيقته الكلية، إنما الاكتفاء ببعض منها، وربما في الحالة هذه يصدق تعريفنا اللاشعوري بأنفسنا، ببُعدنا البخاري الممتزج بوجوه البخار المختلفة حتى المصطنعة من بينها، فنكون جزءاً من أنظمة الرسائل تلك، محكومين بما يعلونا قوة ورهبةَ جانب، والأقرب إلى الطبيعة هم الذين يعيشون سحرها البخاري دون مساءلة رغبةً في البقاء بطمأنينة أكثر!

إبراهيم محمود