تتطور مدينة دبي شأنها شأن المدن الحديثة بسرعة مذهلة. يمكن للمرء بين عشية وضحاها أن يشاهد جسوراً وشوارع وأبراجأ وحدائق ونصباً تولد هنا وهناك. ولكن دبي ليست عبارة عن أبنية وأبراج وكتل أسمنتية بل هي أيضاً ذاكرة الناس وتاريخ المكان. وهذا ما يسعى إلى تحقيقه قسم التصميم في إدارة التراث العمراني، في صياغة جماليات المدينة وتنظيم الفراغ فيها وتجسيد تراثها ورموزها. ولكن السؤال المطروح: هل تكفي 12 مجسماً معمارياً لمدينة كبيرة مثل دبي؟

منذ رسومات «البيزون» المصور على جدران الكهوف إلى شكل الإنسان على نمط «فينوس» في العصر الحجري، تلتقي المجسمات حول الحجر والحديد والبرونز والمواد الأخرى لتزيّن ساحات مدننا وشوارعها وحدائقها لتخفف لتذكرنا بالزمن في حلوه ومره، وذكرياته وتواريخه الشاخصة. لقد خدم العمل النحتي ولا يزال يخدم إشباع الحاجة عند الإنسان من خلال حثه على التأمل والتفكير والحوار الداخلي. ولو عدنا إلى تعريفات النصب التذكارية التي تتصدر المجسمات في القواميس والموسوعات، لنجد بأنها «إبداع نحتي أو معماري مشاد من أجل التذكير بشخصية ـ تمثال لشخص أو لمجموعة أشخاص ـ أو حدث تاريخي، أو على هيئة عمود أو مسلة، بناء أو تلة مصطنعة، أو صخرة نحتتها الطبيعة وضعت في مكان مقصود».

وقد عرف نحاتو بلاد ما بين النهرين ومصر واليونان والرومان كيف يختارون المكان المناسب لأعمالهم ضمن قوانين الانسجام بين الكتلة والفراغ، الهاجس الأساسي لجوهر المنحوتات عامة. وما لبث هذا الفن أن تطور في القرن التاسع عشر حيث انطلقت النصب التذكارية لتدشن عصراً جديداً من الجماليات. وجاء ذلك في سياق تطور الفن التشكيلي لا بمعزل عنه كما هو معروف. المجسمات المعمارية، شأن من شؤون المعماريين ومخططي المدن، تصوغه وتشكله أنامل مفكرة تتأمل الفضاء وتحاول أن تجعله مليئاً بالرموز وليس بالفراغ.

وللنصب التذكارية وظيفة رمزية، صرح لذكرى، رمز للتذكير التاريخي، وحوار بينها وبين الإنسان، إنها مخلوقاته الجميلة. وفي الواقع، إن هذه النصب كثيراً ما تعكس المعاني السياسية والإيديولوجية لبلدان عديدة. ولكنها في دبي تأخذ طابعاً آخر، تركز فيها على جماليات التراث ومعانيه، المستوحاة من تاريخ هذه المدينة حيث لا نلاحظ فيها نكهة تمّجيد السلطة وتعظيمها بل تسعى لخلق رموز حضارية تهم الناس.

«إدارة التراث العمراني» التابعة لبلدية دبي مسؤولة عن هذا الشأن. ولعل إصدارها لكراس «المجسمات المعمارية في دبي» خير دليل في التعريف بجماليات المدينة التي تمّد سكانها وزائريها بالروح والذاكرة والتأمل. ومن هنا كان لا بد لنا من اللقاء بخالد يوسف، رئيس قسم تصميم مشاريع التراث العمراني، والاستفسار عن ضرورة هذه النصب لمدينة دبي، وكيف يتم صياغتها وتثبيتها في ساحات وشوارع وحدائق المدينة؟

يجيب خالد يوسف قائلا: «نحن نعتقد بأن النصب التذكارية والمجسمات المعمارية ضرورية للغاية لمدينة مثل دبي أو لأية مدينة من أجل ترسيخ هويتها لأننا معنيون بإيصال فكرة معينة أو الرمز لحدث معين في مجريات أحداث التاريخ. ونرى الآن أن أكبر رموز دبي تتمثل في «البراجيل» حتى بلدية دبي أخذت منها شعاراً لها لأنه ببساطة يمثل نموذجاً متفرداً ورمزاً قوياً لهذه المدينة. ونحن نعلم أن كنوز العمارة التقليدية غنية جداً بحيث تستوحي منها كبريات الشركات والمشاريع كما هو الحال في «اعمار».

و«شركات دبي القابضة» التي تحرص على استخدام المصطلحات المعارية التاريخية حتى في أبنيتها الحديثة الطراز. يجب إضافة العناصر المعمارية كنماذج موجودة بأسلوب منسّق يعطي للمكان هويته التاريخية، وهي تتنوع بعناصرها المعارية التاريخية والتقليدية مثل ألأعمدة التراثية والأقواس والعقود ورؤوس الأعمدة مثل ـ دواتر الفهيدي ـ ورموز أخرى مثل الساعة الشمسية والإسطرلاب وضفاف حديقة الخور وغيرها».

وهل هناك خطط مستقبلة لإضافة المجسمات المعمارية والنصب التذكارية في دبي؟

«بالتأكيد نحن نخطط لهذه الإضافة لإبراز العمارة التقليدية مثل المربعات الدفاعية والزخارف التقليدية وبعض المعالجات المعمارية للمباني التاريخية مثل عناصر التهوية الداخلية والتزيين الداخلي. في الحقيقة، دبي كمدينة تشهد تطوراً كبيراً لا بد أن تحتوي ساحاتها وحدائقها على نصب ومجمسات تعكس تطورها ومراحل نشوئها وهذه المهمة تقع على بلدية دبي، المعنية الأولى بجماليات المدينة وآفاقها المعمارية المستقبلية».

وكيف تفكر المهندسة شيخة العبار، رئيسة قسم التنمية التراثية في إدارة التراث العمراني؟

«أعتقد أن الفائدة المرجوة من النصب التذكارية والمجسمات المعمارية هي التذكير بتراثنا ورموزنا الثقافية بل تذكر أيضاً الأجيال القادمة بإنجازات الدولة مثل التخطيط للأماكن التي تحتاج إلى توزيع الطرق والشوارع والساحات والحدائق وغيرها»

وهل فكرت بتصميم نصب معين لدبي؟

«أجل قمت بتصميم نصب تذكاري وهو عبارة عن صياغة كلمة ـ دبي ـ على شكل شراع وحرف الباء على شكل اللؤلؤ، وأرى موقع هذا النصب يكون في مدخل دبي أو في المطار أو في نافورة لكي يستقبل الزائر المدينة من خلال اسمها».

كيف يتم استقبال تصاميم النصب التذكارية عندكم؟

في الواقع نحن نسعى إلى إجراء مسابقة لطلبة الجامعة على غرار ما تقوم به مدينة جدة التي تعرض التصاميم والمجسمات بمختلف المقاييس على كورنيشها. والمعروف أن لكل نصب من هذه النصب التذكارية حكاية، وكيف نشأت وما هي العقول التي صاغتا وصممتها والأيادي التي نحتتها ونفذتها.

المجسمات المعمارية

يمكننا أن نحصي في دبي قرابة 12 نصباً تذكارياً ومجسماً معمارياً. ولكي نفهمها يجب أن نستعرض تواريخ تشييدها وأغراضها ولمحة عنها:

بين تقاطع شارع آل مكتوم مع أبو بكر الصديق، نجد «برج الساعة»، وهو أول مجسم متميز في دبي تم تشييده في عام 1963بالخرسانة المسلحة على شكل ثمانية أقواس متداخلة تلتقي عند قاعدة الساعة. ومن ثم تمت صيانته في عام 1992 وذلك باستبدال الساعة بأخرى حديثة مع الحفاظ على العقارب القديمة وإضافة نافورة مائية مزودة بإنارة ملونة.

في حديقة الاتحاد، يقع «نصب الشعلة» الذي تم إنشاؤه عام 1969، كرمز للبدء في تصدير النفط من قبل شركة نفط دبي من حقل الفاتح، وأقيم على قاعدة مثمنة الشكل تتكون من أربعة أعمدة بارتفاع عشرة أمتار تتداخل لتكون أقواساً على النمط الإسلامي. وتنطلق من تحته شعلة موضوعة على عمود من رخام يرمز لحقل النفط. وقد تم ترميمه في عام 1976 ضمن خطة تطوير منطقة دوار الشعلة حيث تمت إزالة الدوار عام في عام 1998 ونقل النصب إلى موقعه الحالي.

عند تقاطع شارع صلاح الدين مع شارع عمر بن الخطاب، يقع «دوار السمكة» الذي يُظهر ما كان للبحر من أهمية في حياة أهل دبي كرمز لمصدر رزقهم وعطاء البحر. تم تصميمه بشكل جميل وهو عبارة عن مجسم لسمكتين متشابكتين مصنوعتين من الأسمنت المسلح ومكسوتين بقطع من الموازييك الملون تتوسطان حوضاً مائياً، تحيطه أشجار جوز الهند.

وعلى شارع بني ياس مقابل مبنى بلدية دبي، يظهر نصب «أولمبياد الشطرنج» الذي تم إنشاؤه في عام 1986 بمناسبة استضافة مدينة دبي لأولمبياد الشطرنج السابع والعشرين باشتراك 111 دولة. وهوعبارة عن مجسم لجمل بارتفاع مترين يعلوه نموذج لأحد أشجار الشطرنج «القلعة» حيث تمت صيانته بإنشاء سور حديدي منخفض الارتفاع حوله لحمايته في عام 1992.

وعند تقاطع شارع السيف وشارع المصلى، يقع نصب «دوار الديوان» وهو عبارة عن ساعة من الورود موضوعة في وسط الدوار على تلة مزينة بالزهور، تقوم البلدية بتغيير الغطاء الزهري له فصلياً لمحافظة على جمالياته.

أما «نصب الساعة الشمسية»، فيقع داخل ديوان سمو الحاكم، وهو عبارة عن ساعة شمسية تحدد الوقت خلال اليوم بالاعتماد على أشعة الشمس، وتتألف من عقرب يلقي الظل على الساعة عندما تشرق الشمس، ولوحة مدرجة تمت معايرتها حسب التقسيمات الساعية، وهي مصنوعة من البرونز أصبحت خضراء مع مرور الوقت.

ويقع «نصب ثانوية دبي» في حديقة الاتحاد خلف مبنى بلدية دبي، ويمثل ذكرى تأسيس أول مدرسة ثانوية في بر دبي 1960 ـ 1961. وهو عبارة عن عمودين متجاورين بارتفاع عشرة أمتار مصنوعين من الحديد الصلب، تم وضعه في ساحة مجهزة بأعمدة للإنارة بالإضافة إلى نافورة محاطة بمقاعد للجلوس.

و«دوار الفهيدي»، تم تشييده عام 2001عند تقاطع شارع الفهيدي مع شارع المصلى في إطار الحفاظ على العمارة التقليدية. وهو عبارة عن أقواس تقليدية وقاعدة متدرج، ارتفاع القوس الأول ثمانية أمتار والقوس الثاني ستة أمتار أما القوس الثالث فيرتفع ثلاثة أمتار ونصف.

ثم ننتقل إلى نهاية شارع الضيافة خلف دار الاتحاد حيث يقع نصب «سارية العلم»، الذي تبلغ مساحته 40 / 25 متراً مربعاً، يتم رفع العالم وإنزاله بطريقة. آلية. ترتفع سارية العلم بجانب دار الاتحاد بطول 120 متراً. تم صنعها محلياً من الفولاذ الذي تمت معالجته وحمايته من العوامل الجوية. وقد أنشئ ليكون رمزاً يذكّر بمكان رفع علم الاتحاد لأول مرة وإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وتعزيز الفخار بمعنى الوطن.

تنوع الأفكار

وتتنوع الأفكار حسب النصب التذكارية، فقد تم في عام 2001 إنشاء «نصب مدينة الإعلام» الذي يقع عند مدخل مدينة الإعلام في شارع الشيخ زايد. وهو عبارة عن فراشة موضوعة في منتصف نافورة ارتفاعها مع القاعدة ستة أمتار والعرض ستة أمتار ويزن طنين، صنع من مادتي الحديد والصلب والألمنيوم لكي يعبر عن حرية الإعلام. و«نصب جائزة دبي الدولية لأفضل الممارسات لتحسين ظروف المعيشة»، تم إنشاؤه في عام 2002.

ويقع على شارع السيف في بر دبي. ويمثل الجائزة التي تبنتها دبي لتكريم الإنجازات المتميزة في مجال تحسين ظروف المعيشة على مستوى العالم. وهو على شكل بارجيل وله قاعدة خرسانية مغلقة بالرخام الأخضر وهيكل معدني مغلف بمادة الحديد الصلب بالون الذهبي وبارتفاع سبعة أمتار.

وأخيراً «نصب تذكاري لاجتماعات الدوليين دبي 2003» الذي تم إنشاؤه في عام 2003 الذي يقع على شارع الشيخ زايد أمام مركز دبي التجاري العالمي. وهو رمز تذكاري لاستضافة دبي للاجتماعات السنوية لمجلس محافظتي مجموعة البنك وصندوق النقد الدولي. وقد صُمم على شكل المسلة المصرية من الزجاج المعشق بارتفاع 18 متراً وفي قمتها مجسم متحرك للكرة الأرضية بينما وزعت أعلام الدول المشاركة على واجهات النصب الأربع.

شاكر نوري