إن كتاب «أسرار طي الكتمان الشديد» لمؤلفه فإنسان نوزيل هو في الواقع تأريخ لتلك الفترة من حياة الجمهورية الخامسة المعنية منذ تأسيسها عام 1958 وحتى انتخاب فرانسوا ميتران عام 1981، أي في الفترة التي تعاقب على الحكم خلالها ثلاثة رؤساء هم الجنرال شارل ديغول وخليفته جورج بومبيدو ثم فاليري جيسكار ديستان.
والتأريخ الذي يقوم به المؤلف يعتمد تحديدا على مصدر جديد للمعلومات يتمثل في آلاف الوثائق السرية الموجودة خاصة في ملفات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي.آي. ايه» والبيت الأبيض، وهي وثائق يتم الكشف عن معظمها للمرّة الأولى. هكذا جاء في عنوان الكتاب الفرعي ما نصه: «ملفات البيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حول فرنسا ورؤسائها خلال سنوات 1958-1981». كل الأمور كانت موضع اهتمام خاص من قبل الولايات المتحدة الأميركية التي لم تتردد في القيام بعمليات تجسس مستمرة لمعرفة كل ما كان يدور في كواليس السلطة بفرنسا، ذلك على أساس أنها «ليست مضمونة». ويشير فانسان نوزيل إلى أن الأجهزة السرية الأميركية جنّدت لغايات «التجسس» مخبرين في أعلى دوائر الدولة.
ويذهب في نفس الاتجاه التوصيف المقدّم حول مجموعة من الاتفاقيات التي جرى تصنيفها على أنها «سرية للغاية لأسباب دفاعية». وكان قد جرى التفاوض حولها على مستوى القمة السياسية. بل ويتم الكشف هنا عن العديد من الأحاديث المتبادلة بين الرؤساء الأميركيين الفرنسيين.
وما يؤكد عليه المؤلف هو أن أشياء قليلة كانت تفوت الأميركيين بخصوص ما كان يجري في فرنسا خلال الفترة المدروسة، أكان الأمر يتعلق بحرب الجزائر أو بيع الأسلحة إلى ليبيا وغيرها أو الأجواء التي سبقت أحداث شهر مايو 1968 والمعروفة بـ «ثورة الطلبة» أو حتى إنشاء القوة الضاربة النووية الفرنسية بإشراف الجنرال ديغول.
أمضى فإنسان نوزيل خمس سنوات كاملة وهو يبحث وينقـّب في أراشيف وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والبيت الأبيض. هكذا نعرف أن الولايات المتحدة الأميركية قد طرحت على نفسها الكثير من الأسئلة بعد ترك الجنرال شارل ديغول السلطة بعد فشل تعديل دستوري كان قد طرحه على الفرنسيين في استفتاء عام، اعتبر يومذاك أن أغلبية الفرنسيين لم تعد تؤيده ولذلك لم يبق له سوى التنحّي عن الرئاسة.
وتدل الوثائق الأميركية أن المسؤولين في واشنطن لم يكونوا يومها يريدون رؤية «ديغولي» يصل إلى قمة السلطة من جديد. هكذا فكّروا القيام بـ «حملة دعاية لصالح إقامة علاقات فرنسية-أميركية جيدة». لكن وزارة الخارجية الأميركية التي كانت تدرك مدى «حساسية الفرنسيين» وكي لا تصدمهم طالبت بـ«الحد الأدنى الممكن من التصريحات العامة وحذرت من أي هجوم إعلامي».
وكان الأميركيون يرون أن «بومبيدو سوف يكون أكثر واقعية» من الجنرال، وسوف يولي أهمية أكبر لحل المشاكل أكثر من فلسفتها، وذلك على خلفية رغبته الجامحة في تنشيط الاقتصاد». ولكنهم كانوا يرون في خصمه «آلان بوهر» شخصا «يدعم الحلف الأطلسي منذ فترة طويلة في مختلف محافل ومؤسسات المجموعة الأوروبية».
أما جسكار ديستان فيجري تقييمه على أنه كان «يقاسم الأميركيين أفكارهم». لكن هذا لم يمنع الدبلوماسيين الأميركيين من تحضير البديل السياسي «المحتمل» أي فرانسوا ميتران. وتشير الوثائق إلى لقاءات عديدة بين مسؤولين أميركيين وميتران خلال رئاسة جسكار ديستان.
وكان أحدها مع هنري كسنجر حيث طمأنه ميتيران عن بقاء فرنسا وفية لالتزاماتها حيال الحلف الأطلسي في عهده. وكان جسكار ديستان على غاية الضيق من لقاءات ميتيران مع السلطات الأميركية العليا على أساس أنها تعطيه «مكانة» رئيس دولة.
المؤلف في سطور
فانسان نوزيل، صحفي مستقل، بعد أن كان قد عمل لسنوات في مجلات فرنسية كبرى مثل «الاكسبريس» و«اكسبانسيون». ويقوم بالتدريس في مركز تكوين الصحفيين بباريس. ألّف، أو شارك بتأليف كتب عديدة منها: «العرّابون الكورسيكيون»، عن عالم المافيات في جزيرة كورسيكا، و«نوّاب تحت النفوذ» و«فيرجينيا هيل، أميركية في خضم الحرب».
أشكال من الدعم
وجد العديد من رجال السياسة الفرنسيين اهتماما كبيرا، بل ووجدوا الدعم، بما في ذلك المالي أحيانا، من قبل الدوائر السياسية والاستخباراتية الأميركية وقدّموا الكثير من المعلومات مقابل ذلك. هذا ما تدل البرقيات الدبلوماسية والتقارير الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وعن وزارة الدفاع «البنتاغون» التي يتم الكشف عنها في هذا الكتاب.
التأثير في مجرى الأحداث
لم يقتصر نشاط الأميركيين على العمل لمعرفة ما يجري في فرنسا من أحداث، ولكنهم حاولوا أيضاً التأثير في مجرى تلك الأحداث في أغلب الأحيان. كل هذه الأمور التي يجري الكشف عنها اليوم كانت حتى اليوم «أسرار طي الكتمان الشديد»، كما يقول عنوان الكتاب.
الكتاب: أسرار طي الكتمان الشديد
تأليف: فانسان نوزيل
الناشر: فايار - باريس- 2009
الصفحات: 494 من القطع المتوسط

