عندما تحل ذكرى نكسة يونيو 1967 ينتاب المرء ذلك الحرج من ماض لا يستطيع محوه، ولا يملك من أمر تبديله شيئاً، لأنه يعرف انه ماض سيعيد نفسه بطريقة أو أخرى، فمن كان يتخيل أن تختصر القضية العربية إلى زقاقين في الشرق وزقاقين في الغرب وما بينهما ملثمون يطلقون النار على أشقائهم في الزقاق المقابل.
عشرات الكتب وُضعت عن النكسة وعشرات غيرها عن النكبة ولسوف تكون عشرات غيرها في الطريق تحلل جريان الزمن من عام لآخر دون فرق يذكر سوى تبدد الأحلام وإعادة انتشار القوات الأميركية في العراق، وعودة المبعوثين الأمميين من الشرق الأوسط، وطبعاً ستكون المادة خصبة للباحثين عن حشو الكتب بالأخبار الصحافية التي ستتحول إلى كتاب ومعها سيتحول جامعوها إلى محللين وباحثين استراتيجيين!
قليل من تلك الكتب بحث في المعاناة الواقعية للفلسطينيين وليس التنظيرية، فإذا كانت إسرائيل قد اعتقلت أكثر من 800 ألف فلسطيني منذ النكبة في عام 1948 حتى اليوم، بينهم عشرات الألوف تعرضوا للاعتقال لأكثر من مرة. فإن هؤلاء هم الذين يستحقون الكتب تأليفاً ونشراً، لأنهم لمسوا الجمر بأصابعهم وعانوا أكثر من غيرهم، وفي قلوبهم ألوف القصص التي تحكي وتنقل من جيل إلى جيل ومن لغة إلى أخرى، قصص تستحق أن تكون بين أيدينا ليس لواقعيتها فقط، بل لميزة صدقها الكبير.
عندما تحل ذكرى النكسة نفرد الصفحات لندب حالنا ونعد البرامج ذات المحتوى الرثائي الذي يشبه البكاء على اللبن المسكوب، نرثي فيه حال الأمة محللين الأسباب التي أودت إلى النتيجة، وكثيراً ما نتجاهل الأسباب الفعلية، وكأن فرسان الكلام في حاضرنا لا يجدون مبرراً سوى تحميل القيادات السابقة تلك النتائج التي ترتبت على أمة غرقت في تمجيد ماضيها، وأغلقت باب مستقبلها، بينما في الجوار مواضيع تستحق الكتابة والتوثيق.
موضوع الأسرى من أنبل وأسمى المواضيع التي يجب التوقف عندها ونحن نمر أمام ذكرى النكسة، وكتاب يوثق سيرتهم خلف القضبان أكثر أهمية من عشرات الكتب التي تنظر وتطير فوق الواقع الفلسطيني، هؤلاء يستحقون ان تقف المؤسسات الوطنية وقفة جدية معهم وإلى جانبهم ترصد قصصهم وتوثق أيامهم في السجن لتكون ضميراً حياً أمام العالم فيه الحقيقة بعيداً عن التنظير وبعيداً عن خطوط التماس مع «الأخوة الأعداء».
