جوزيف كونراد، واسمه الكامل جوزيف تيودور كونراد وإلكس كورزينوفسكي، من أصل بولندي ولد في 3 ديسمبر 1857 وتوفي بأزمة قلبية في انجلترا في 3 أغسطس 1924 ودفن في كانتربري. توفيت والدته وهو في الثامنة من عمره وتوفي والده بعدها بأربع سنوات ليتولى عمه رعايته. تعلم من والده، المتمرد ضد الدولة وقوانينها، حب الأدب والقصص الرومانسية.

أطلق عليه البعض «فيلسوف البحر» لأنه أحب البحر منذ صغره. وفي ال16 من عمره غادر بولندا التي كانت محتلة من قبل روسيا آنذاك، وتوجه إلى فرنسا حيث عمل في مجال النقل البحري. ثم وقع في غرام امرأة وانتهت علاقتهما بمحاولته الانتحار. انتقل كونراد عام 1878 ليعمل مع أسطول تجاري بريطاني تعلم خلالها اللغة الإنجليزية وأصبح قائداً للبحارة في عام (1884 أو 1886) وحصل على الجنسية البريطانية، وغير اسمه ليضفي عليه صفة انجليزية. ولم يبدأ مهنته كروائي إلا بعد تقاعده من الأسطول التجاري عام 1894.

تميز كونراد بأسلوبه النثري الباذخ، جامعاً في رواياته ما بين الواقعية والدراما. وكان لعمله في البحر تأثير في كتاباته التي تميزت بحضور هذه البيئة كخلفية لأحداث عدد من رواياته التي تركت بصمة خاصة على الجيل الحداثي في الأدب الإنجليزي. بلغت حصيلة مؤلفات كونراد 13 رواية و28 قصة قصيرة ومجلدين دوّن فيهما مذكراته.

إن مغامرات كونراد خلال رحلاته في بحر الكونغو عام 1890 ورحلاته في بحار آسيا والموانئ البعيدة أصبحت المواد الأساسية لكتاباته. وأغلب رواياته لها علاقة بالبحر ويرويها بحار عجوز اسمه مارلو في رواياته «العميل السري» و«النصر» و«تحت عين غريبة» و«لورد جيم» و«قلب الظلام».

وكتب رواية «قلب الظلام» بالانجليزية، لغته الرابعة بعد الروسية والبولندية والفرنسية وقام فرانسيس فورد كوبولا بإخراجها في فيلم سينمائي يحمل عنوان «القيامة الآن».

في «قلب الظلام» خمسة رجال جمعتهم رحلة على متن سفينة الرحلات «نيللي» الشراعية الراسية في مصب نهر التيمز بانتظار انحسار المد. أحد هؤلاء، مارلو، هو من تدور الرواية على لسانه من دون أن يذكر اسمه والآخرون هم: المحامي، والمحاسب، والقبطان. والرواية كلها تعتمد على قصة قبطان مركب بخاري «نيللي» المتجه من لندن إلى مجاهل الكونغو، مرسل من قبل شركته للتفتيش عن كورتز أحد موظفيها الذي انقطعت أخباره في الأدغال. ويبحر المركب عكس تيار النهر، يتعرض لمشكلات كثيرة حيث يتصاعد الرعب في الأدغال المحيطة.

في تلك الأثناء حوّل كورتز نفسه إلى «معبود» لدى إحدى القبائل بعدما أذهلها بتقنيات الغرب المستحدثة وترويجه لها. يسير بطل كونراد حيث تقوده رغبته وحلمه الذي عاش معه في طفولته. وقرر عندما يكبر أن يمضي إلى المكان الذي أشار إليه وهو الكونغو، وها هو يصبح رباناً لإحدى السفن التابع لشركة من أهدافها بناء إمبراطورية وراء البحار لجني الملايين من الدولارات بطرق غير مشروعة.

من خلال حكايات مارلو يعرّي كونراد أولئك المستعمرين ويكشف عن أن قوتهم ما هي إلا نتيجة عرضية لضعف الآخرين من خلال إلقاء الضوء على الأجواء التآمرية من أجل الحصول على أكبر قدر من العاج الذي ينتزعونه بالقوة من الأهالي، والمنافسات غير الشريفة التي كثيراً ما تؤدي إلى القتل.

حكايات مارلو تمتد وتتشعب وتذهب إلى عمق الظلام حيث الحياة البدائية التي تشبه حياة ما قبل التاريخ. يجمع الكاتب في هذه الرواية لغة السرد والمغامرة بأسلوب ممتع. كانت القارة السوداء مسرحا للنهب الإمبريالي آنذاك لم يترك لهم العاج ولم تسلم إنسانية السود من الاستعباد بداعي التنوير المزيف. ولم يكن الشاب مارلو، السارد الرئيسي، يحمل في عقله سوى الأكاذيب. وحين وطأ بقدماه أرض المستعمرة أكتشف الزيف الحقيقي للقوة التي تقصف أناس يسكنون أكواخ شبه عراة بدافع التمييز العرقي الذي يمارسه الغرب في سلوكه.

في الجانب الآخر من الرواية يُصاب «كورتز» الذي يمثل القوى البيضاء، بخراب قلبه لكنه يعتبر نفسه بمثابة الإله وينصّب نفسه على تلك القبائل هناك. وكان بيته يحاط بأوتاد عليها رؤوس سوداء مقطوعة من أجسادها كتعويذة ولبث مزيد من السلطة والخوف والرعب، لذلك فإن كلمة الرعب هي آخر ما تلفظ به عند موته، بعد أن سخّر البشر لخدمته حتى نهايته. حينها يدرك مارلو أن هذا الإنسان العظيم «كورتز» لم يعرف في حقيقة نفسه إلا تلك الشهقات الأخيرة الخاوية والفارغة من كل شيء.و«قلب الظلام»، هي من أعمق رويات كونراد على الإطلاق لأنها تتضمن مضامين فلسفية تبقى خالدة حتى بعد مرور قرن كامل على صدورها، ويمكن قراءتها على أنها من الأدب الكلاسيكي المتألق لغة وأسلوباً وسرداً.

وينقل كونراد عبر كلمات منحوتة بعمق نفسي، أسطورة الغرب وإدعاءاته الإنسانية الكاذبة في التعامل مع الشعوب الضعيفة. فهو لا يستطيع أن يتخلى عن نهجه الاستعماري حتى لو ذهب إلى مجاهل العالم بل يفرض منطقه على الشعوب الأخرى.

وفي نسيج رواية «قلب الظلام» يبرز الكاتب بعبقرية هذه المفاهيم ويجعلها في متناول الجميع.

شاكر نوري