مؤلف كتاب الأمالي هو إسماعيل بن القاسم بن محمد، أبو علي القالي أحفظ أهالي زمانه للغة والشعر والأدب ولد ونشأ في «منازجرد» على الفرات الشرقي، ثم جاء بغداد ورحل بعدها إلى المغرب إلى قرطبة يعتبر كتابه «الأمالي» أحد أركان الأدب العربي الأربعة الأولى: البيان والتبين للجاحظ، وأدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرد، وأمالي أبي على القالي. والكتاب مجموعة مجالس كان يملي فيها القالي محاضراته في الأدب واللغة في قرطبة.
من الكتاب ومن الجزء الأول:
حدثني أبو بكر عن أبي العباس عن ابن الأعرابي قال: يقال قد لحن الرجل لحن لحناً، فهو لاحن، إذا أخطأ، ولحن يلحن لحناً فهو لحن، إذا أصاب وفطن، وأنشد:
وحديث ألذه هو مما
تشتهيه النفوس يوزن وزناً
منطق صائب وتلحن أحيانأ
وخير الحديث ما كان لحنا
معناه: وتصيب أحياناً
وحدثني أيضاً، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق، قال أخبرنا نصر بن علي، قال اخبرني الأصمعي عن عيسى بن عمر، قال معاوية للناس: كيف ابن زياد فيكم؟ قالوا ظريف على أنه يلحن. قال: فذاك أظرف له، ذهب معاوية إلى اللحن الذي هو الفطنة، وذهبوا هم إلى اللحن الذي هو الخطأ، واللحن أيضاً: اللغة، ذكره الأصمعي وأبو زيد، ومنه قول عمر بن الخطاب: رضي الله عنه: تعلموا الفرائض والسنن واللحن، كما تعلموا القرآن فاللحن هنا اللغة.
وروى شريك عن أبي اسحق عن ميسرة أنه قال في قوله عز وجل: فأرسلنا عليهم سيل العرم: العرم: المسناة بلحن اليمن، أي بلغة اليمن، وقال الشاعر:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة
تغنّت على خضراء سمر قيودها
صد روح الضحى معروفة اللحن لم يزل
تقود الهوى من مسعد ويقودها
يقال: لحنت له لحناً إذا قلت له قولاً يفهمه عنك، ويخفى على غيره، وهذا مذهب أبي بكر بن دريد في تفسير قول الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحياناً.
قال: يريد تغوص في حديثها لئلا يفهمه الحاضرون ثم قال: وخير الحديث ما كان لحناً، أي خير الحديث ما فهمه صاحبك الذي تحب إفهامه وحده وخفي على غيره. ثم يورد: قال نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالس مع أصحابه إذ نشأت سحابة فقالوا يا رسول الله هذه سحابة، فقال كيف ترون قواعدها؟
قالوا ما أحسنها وأشد تمكنّها، قال: وكيف ترون رحاها، قالوا ما أحسنها وأشد استدارتها، قال وكيف ترون بواسقها، قالوا: ما أحسنها وأشد استقامتها: وكيف ترون برقها أوميضاً أو خفياً أم يشق شقاً، قالوا: بل يشق شقاً، قال: كيف ترون جونها، قالوا: ما أحسنه واشد سواده، فقال عليه السلام «الحيا». فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي هو منك أفصح..
