«أسرار الدماغ النسائي» عنوان كتاب تصدّر قائمة الكتب الأكثر انتشارا في الولايات المتحدة عند صدوره قبل حوالي عامين. ولاقى نجاحا باهرا في مختلف البلدان التي جرت ترجمته فيها مثل ألمانيا وهولندا وبولندا وإيطاليا واسبانيا وفرنسا. وهو الآن في طبعته الثالثة.
تدرس المؤلفة «الدماغ النسائي» في سبعة فصول يتألف منها الكتاب وتحمل العناوين التالية ذات الدلالة على محتواها: «ولادة الدماغ الأنثوي» و«دماغ المراهقات» و«الحب والثقة» و«الجنس: دماغ الغرائز» و«دماغ الأمومة» و«الانفعالات: الدماغ الحساس» وأخيرا «دماغ المرأة الناضجة».
هناك مقولة شهيرة مفادها أن «المرأة لا تولد امرأة ولكنها تصبح كذلك». مؤلفة هذا الكتاب، الطبيبة والباحثة الشهيرة وخريجة هارفارد ويال، تقول لنا شيئا آخر يمكن تلخيصه بالقول بوجود اختلاف في التركيب بين دماغي المرأة والرجل.
باختصار أن «الدماغ له جنس» مثل البشر أنفسهم. وتشير أنه إذا كان من المعروف منذ فترة طويلة من الزمن أن «الهرمونات» تؤثر على سلوكيتنا وعلى مفهومنا ورؤيتنا للعالم، فإنه كان لا بد من الانتظار حتى تحقيق التقدّم التكنولوجي الذي أنتجته الثورة الرقمية على عالم الطب بما في ذلك «التصوير الشعاعي» لتقديم البراهين العلمية على أن هناك «دماغا نسائيا» له سماته المميزة عن «دماغ الرجال».
وإذا كانت الأساطير قد رددت أن الاختلاف بين الرجل والمرأة يعود إلى أنهما ينحدران من كوكبين مختلفين، فإن مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على الاختلاف لكن بعيدا عن الكواكب، فأصوله موجودة في الدماغ الإنساني. وهي تحاول بالتالي تقديم إجابات على مجموعة من الأسئلة اعتمادا على هذا الاختلاف «الدماغي» بالتحديد. وهي أسئلة من نوع: لماذا حدس النساء أقوى من الرجال؟ ولماذا يتمتعن بموهبة أكبر في التواصل؟ ولماذا يهتممن أكثر بمظهرهن في سن المراهقة وبتفتحهن الشخصي في سن اليأس؟ ولماذا يمكن إلى تجنّب النزاعات أكثر من الرجال؟ الخ. الإجابات على جميع هذه الأسئلة والعديد غيرها تجد المؤلفة مصدرها في تلافيف الدماغ وحجم بعض أجزائه وتركيبه البيوكيميائي.
ومن ميزات هذا الكتاب، المغرق في علميته، هو أنه يمكن قراءته مثل رواية، بل ورواية زاخرة بالحكايات اللطيفة والظريفة. مثل التأكيد أن النساء يستخدمن يوميا كـ «متوسط» حوالي 20000 كلمة مقابل 7000 يستخدمها الرجل، وأنه إذا كانت المرأة قد تفكر بالجنس مرة في اليوم فإن الرجل يفكّر فيه مرة كل دقيقة، وأن النساء يملكن 11 بالمئة من النورونات بالقياس إلى الرجال في مراكز اللغة والاستماع في الدماغ.
ولا تتردد المؤلفة في التعبير عن أن أحد أهدافها الرئيسية من هذا الكتاب هو «تفكيك» ما تسميه بأسطورة «الدفاع الوحيد»، أي المشترك تماما بين الرجل والمرأة. وهي تؤكد أن «دماغ المرأة» يتمتع بكفاءات «فريدة» هائلة في «البراعة بالحديث والالتزام العميق بالصداقة وبالقدرة على القراءة في الوجوه وفهم الانفعالات والجدارة في فضّ النزاعات». ولا تتردد في القول أن هذا كله «موصول بدماغ المرأة».
وتؤكد المؤلفة أن عملية «التوصيل» تبدأ منذ فترة تطور الجنين اعتبارا من الأسبوع الثامن للحمل. والمكوّن الهرموني للذكر أو الأنثى هو الذي يزيد أو يقلل من «الروابط» مع المراكز الدماغية المسؤولة عن التواصل والانفعالات وغيرها. وهذه الاختلافات هي التي تجعل المرأة مثلا أكثر قدرة على التفاوض والتواصل.
ومن الأفكار التي تقدمها المؤلفة قولها إنه في بداية فترة المراهقة لا تُبدي الفتيات والفتيان أي فرق فيما يخص الكفاءة على تعلّم الرياضيات والمواد العلمية الأخرى. لكن بعد أن تبدأ التغيرات الهرمونية «تبدأ الفتيات بالتمركز خاصة حول انفعالاتهن والميل إلى التواصل عبر الحديث في الهاتف أو الحوار عبر شبكة الانترنت مع صديقاتهن في المركز التجاري»، كما نقرأ. لكن عندما يكبر الفتيان ويغدون أقل ميلا للتواصل مع الآخرين ينكبّون على الألعاب. وفي محصلة المقارنة تتوصل المؤلفة إلى القول أن الفتيات لا يتوجه اختيارهن نحو المهن العلمية ذلك أن العلم من طبيعة تتطلب «العزلة» بل وأحيانا المبالغة في العزلة.
«دماغ الرجل» و«دماغ المرأة» يتم تقديمهما على أنهما مختلفان من حيث «هيكلية بنائهما» و«حجم أجزائهما». وهذا ما يفسر كون أن «النساء يمتلكن شارعا بعرض ثمانية شوارع صغيرة من أجل معالجة العواطف، بينما لا يملك الرجال في هذا الميدان سوى طريق ريفي». لكن على العكس: «لدى الرجال مطار هائل في مجال التفكير بالجنس حيث لا تمتلك النساء في هذا المضمار سوى مطار صغير لهبوط وإقلاع الطائرات الخاصة».
وعلى قاعدة سلسلة من الاختلافات البيولوجية «الدماغية» تقوم المؤلفة بتفسير الاختلافات في السلوكيات بين الرجل والمرأة على صعيد أشياء الحياة اليومية، وكذلك تفسير بعض الظواهر مثل ميل النساء في سن اليأس إلى «ترك» أزواجهن. هذا بعيدا عن القبول بـ «وحدة الدماغ» بين الرجل والمرأة.
في المحصلة هذا الكتاب فريد من نوعه إذ يجمع بين الجانب العلمي الصارم وبين حكايات الحياة اليومية محتفظا بصفته كوثيقة استثنائية لها أهميتها، الاستثنائية أيضا، في النقاشات الدائرة حول الهوية الإنسانية. وخاصة حول دور ما هو فطري «بيولوجي» ودماغي كما تقول مؤلفة هذا العمل وما هو مكتسب من المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان. ثم إنه كتاب عن «مغامرة الجينات» وأثرها في سلوكية البشر. ثم لا بد للكشف عن أسرار آليات عمل «الدماغ الإنساني» من أن يسمح للرجال، وللنساء أيضا، في فهم أنفسهم أكثر وبالتالي التفاهم بشكل أفضل.
الكتاب: الدماغ النسائي
تأليف: لوان بريزيندن
الناشر: جاكوب، دوفرنيه باريس 2008
الصفحات: 187 صفحة
القطع: المتوسط
The female brain
Louann Brizendine
Bantam Books New York 2008
352.P
