إذا كانت الحرب الباردة «القديمة» قد انتهت فإننا أمام ما يسميه الصحافي والمحلل البريطاني ادوارد لوكاس «الحرب الباردة الجديدة»، كما يقول عنوان كتابه الصادر قبل عدة أسابيع فقط والذي يقول عنوانه الفرعي: «كيف يهدد الكرملين روسيا والغرب».
كانت الفكرة المأخوذة عن روسيا خلال سنوات التسعينات المنصرمة، أي في الفترة التي أعقبت مباشرة انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته، هو أنها كانت بمثابة «الرجل المريض» في أوروبا. وفي تلك الفترة كان بوريس يلتسين الرئيس الروسي آنذاك لا يطلب سوى قبول الغرب له. تلك الصورة تغيّرت مع وصول فلاديمير بوتين، المسؤول السابق في جهاز الكا.جي.بي السوفييتي السابق للاستخبارات، لتبدو ملامح حرب باردة جديدة.وتصادف وصول بوتين إلى السلطة عام 1999 مع تعاظم أسعار البترول والغاز وبالتالي تزايد قوة روسيا الغنية بهذين الموردين الأساسيين من مصادر الطاقة وعودتها بقوة إلى المسرح الدولي. وبعد أن كانت روسيا «مطأطأة» الرأس في عهد يلتسين بمواجهة الغرب عادت كي «ترفع رأسها» بوجه أوروبا الغربية وتقول «لا» للسياسة الغربية الخاصة بتوسيع إطار الحلف الأطلسي ولعملية التهميش المدروس لروسيا فيما يخص شؤون العالم.
ويحدد ادوارد لوكاس منعطفا جوهريا عرفته روسيا عند الانتقال من حكم يلتسين إلى حكم بوتين باعتباره عودة لسلطة مركزية الدولة. وحيث أن زيادة أسعار مواد الطاقة لم تسمح لروسيا أن تسدد جميع ديونها فحسب، ولكن سمحت لها أيضاً بامتلاك احتياطي نقدي هائل استثمرته في المشاريع الأوروبية التي تفتح أبوابها بسهولة للاستثمارات الخارجية.
ويتمثل أحد أكبر مصادر التهديد الروسي لأوروبا الغربية في كون أنها أحد مصادر التزويد الرئيسية للبلدان الأوروبية بالغاز خاصة. وهذا يؤمّن لروسيا ورقة ضغط حقيقية يمكنها المساومة فيها. كما أن روسيا لها كلمتها أيضاً فيما يخص أسعار الطاقة في الأسواق العالمية. وكان أحد أهداف فلاديمير بوتين يتمثّل في إحكام الدولة رقابتها وسيطرتها على الصناعة، خاصة في مجال الطاقة، وعلى الاقتصاد.
وليس من المبالغة القول أن ادوارد لوكاس يقرع في هذا الكتاب ناقوس الخطر. ذلك على خلفية قناعته أنه في الوقت الذي كانت فيه روسيا- بوتين تعزز من قوتها كان الغرب في غفلة من ذلك. ولا يتردد في القول أن الغرب ارتكب خطأ كبيرا عندما تعامل مع روسيا على أنها بلد «طبيعي» كغيره من البلدان، ودون أن يولي الاهتمام المطلوب للمرامي الروسية الواضحة من خلال الكثير من التصريحات.
إن إحدى السمات الرئيسية التي يحددها المؤلف لـ «الحرب الباردة الجديدة» هو اختلاف «موضوعها» عن الحرب الباردة السابقة، رغم أن الأطراف الداخلة فيها هي نفسها، ففي الفترة السابقة كان التهديد الصادر من الطرفين هو «الإبادة النووية»، أما اليوم فإن مصدر هذا التهديد من الجانب الروسي يتركّز على «الطاقة». هذا ما يشرحه المؤلف بإسهاب في الفصل الذي يحمل عنوان «سياسات البيبلاين» وإذا كانت المشكلة اليوم هي تزويد أوروبا الغربية بالطاقة فإن المشكلة قد تكون مستقبلا، كما يرى المؤلف، هي احتمال حاجة روسيا إلى أن تحتفظ لها بكميات أكبر من الغاز الذي تنتجه.
ما يتم تأكيده في المحصلة هو أن المواجهة الإيديولوجية بين روسيا والغرب قد غيّرت من مظهرها، لكنها لم تنته، رغم أن الطرفين يؤيدان «النموذج الرأسمالي» على الصعيد الاقتصادي ولكن ليس «دولة القانون».
ويصل ادوارد لوكاس إلى قول ما مفاده أن الغرب هو بصدد خسارة الحرب الباردة الجديدة، رغم أنه قد لاحظ، بالكاد، أنها بدأت. ثم إن إرادة المقاومة في الغرب ضعيفة. هذا الغرب لم يعد قادرا على دعم حلفائه ولكنه يتهالك هو نفسه أمام الضغوط الروسية.
الكتاب: الحرب الباردة الجديدة كيف يهدد الكرملين روسيا والغرب
تأليف: ادوارد لوكاس
الناشر: بلومسبري لندن 2009
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
The new cold war
Edward Lucas
Blo omsbury 9002 nodnoL
384P.

