يقارن كلود هاجيج في كتابه «قاموس عاشق اللغات» الرابط بين اللغات ويحاول تبيين مدى حيويتها بحيث أنها «ترمز إلى قوة الحياة نفسها وتندرج في أفضل ما قدّمته عبقرية الإنسان من إنتاج». وما يؤكده المؤلف أنه رغم تفضيل هذه اللغة أو تلك من قبل هذا الفرد أو ذاك، تبعا لمعايير كثيرة تتعلق بالمولد والهوية والتذوق، فإن «جميع اللغات لها جمالها».

ويصف المؤلف اللغة الروسية بأنها «تقطع الأنفاس». وبعد أن يشرح الأسباب التي دعته لقول ذلك يذكّر بما أنتجه الناطقون فيها من روائع أدبية جابت أنحاء العالم كله وأمتعت مئات الملايين من القراء.

من الملاحظ أن المؤلف يعرف كيف ينتقل بكل انسياب في شعاب الموضوع الذي يناقشه ويعرفه حق المعرفة. إنه ينتقل من لغة إلى أخرى كما ينتقل لاعب النرد البارع من حركة إلى أخرى. هكذا لا يحس القارئ بالغربة وهو يجده يقدم له معنى جملة «يهطل المطر» باللغات الألبانية والهنغارية والتركية والعربية واليونانية القديمة واليونانية الحديثة والهندية والاندونيسية والصينية والعديد من اللغات الأخرى. مثل ذلك الاهتمام المتنوع، التاريخي والجغرافي والانتروبولوجي، هو الذي جعله.

كما يقول «يعشق» البحث عن اللغات القديمة التي انقرضت حضاراتها منذ فترات طويلة مثل لغة «كيشوا» التي كانت تتحدثها بلدان حضارة «الانكا» في بعض مناطق القارة الأميركية التي انضوت تحت لواء «حضارة الانكا». ومثل لغة «روماني» ولغة «غوراني»، التي يعتبرها اللغة الهندية الوحيدة التي كان يتحدث بها الملايين من سكان أميركا اللاتينية، وخاصة في البراغواي حاليا. ومن اللغات التي يوليها المؤلف اهتمامه اللغة الصينية واللغة العبرانية، وحيث إن الفضل ببقاء الأولى يعود إلى تعاليم كونفوشيوس ذات الفعل الكبير لدى الصينيين، أما الثانية فيعود حفظها إلى التوراة.

ويشير المؤلف في معرض تصنيفه للغات من حيث القدرة على تعلمها وإتقان قواعدها، على أن اللغة الأيسلندية هي من أصعب لغات العالم ذلك أن جميع كلماتها تقريبا تتطلب التصريف عند استخدامها في جمل مفيدة. كما يشير إلى أن بعض اللغات «المنقرضة» أو التي لا يستخدمها سوى عدد قليل من البشر كان لها فوائد كبيرة في مناسبات محددة. هكذا مثلا جرى استخدام لغة «نافاجو»، وهي إحدى اللغات الهندية المستخدمة في الولايات المتحدة الأميركية قد جرى استخدامها أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل إخفاء المعلومات المتبادلة عبر مختلف وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية عن اليابانيين. ذلك بعد أن كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد اكتشفت أن الأجهزة اليابانية كانت تحل جميع الرموز المتبادلة باللغة الانكليزية.

وفي فصل يخص ما يسميه المؤلف باللغات المعرّضة للخطر، لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في وضع اللغة الفرنسية بينها، وذلك بسبب «الزحف الكبير» الذي تقوم به اللغة الانجليزية على جميع المرافق وميادين المعارف إلى درجة أن العديد من المؤسسات الفرنسية أصبحت تستخدم اللغة الانجليزية أثناء اجتماعات مجلس إدارتها. ويضيف المؤلف سببا آخر يحدده في تزايد عدد الفرنسيين الذين يبدون «شغفهم» باللغة الانكليزية على حساب لغتهم الأصلية.

ورغم لهجة التشاؤم السائدة في العديد من تحليلات هذا الكتاب، لا يتردد كلود هاجيج في أن يبدي بعض التفاؤل بالنسبة للغات حيث يكتب بوضوح: «اللغات هي النوع الوحيد الحي الذي لا يموت».

الكتاب: قاموس عاشق للغات

تأليف: كلود هاجيج

الناشر: بلون باريس 2009

الصفحات: 729

القطع : المتوسط