بادر موقع «إميجوالي» الثقافي المتخصص إلى إجراء هذه المقابلة مع الكاتب والشاعر النيجيري بن أوكري للاحتفاء بالجانب القصصي من إبداعه، عقب صدور مجموعة قصصه الجديدة بعنوان «حكايات الحرية» حيث عاد بذاكرته إلى العام الرابع عشر من عمره الذي بدأ فيه الكتابة للمرة الأولى، وشدد على أن القصص كانت دوماً في صميم كتاباته، وأنها تتضمن بالفعل رؤية فريدة للعالم ،وحدد هويته باعتباره كاتباً ولد في نيجيريا.

ويقيم في انجلترا، ولكنه يؤمن بأن الأدب حياة إنسانية تسري في عروق الدنيا، وإنه إذا أردنا، على سبيل المثال، الحديث عن غابرييل غارسيا ماركيز فإن علينا أيضاً أن نناقش شينوا أتشيبي، وأننا إذا فكرنا في لوركا، فإن أذهاننا يجب أن تنصرف أيضاً إلى وولي سوينكا. وفيما يلي نص المقابلة:

جلس الروائي والقاص والشاعر النيجيري بن أوكري مسترخياً في غرفته بالفندق النيويوركي الذي ينزل به، والذي أجرى فيه هذا اللقاء، بعيداً للغاية عن البلدة التي شهدت ميلاده في وسط نيجيريا في عام 1959، ومضى يتذكر كيف بدأ الكتابة للمرة الأولى في حياته وهو في الرابعة عشرة من عمره.

قال بن أوكري: «في هذا اليوم على وجه التحديد انهمر المطر غزيراً، وقد غير هذا اليوم حياتي. كان الجميع في الخارج، وأنا وحدي في الدار. وكنت أجلس في غرفة المعيشة، وأخرجت ورقة ورسمت عليها ما كان على رف المدفأة. واستغرق ذلك مني حوالي الساعة، ثم أخرجت ورقة أخرى وكتبت قصيدة. وربما كان ذلك قد استغرق مني عشر دقائق. وتطلعت إلى الرسم، ونظرت إلى القصيدة، فألفيت الرسم فظيعاً، أما القصيدة فكانت محتملة وتدخل في دائرة ما يطاق، وغدا وضحاً بالنسبة لي أن ذلك أقرب إلى مجالي الطبيعي».

وكانت رواية أوكري «طريق الجوع» قد نالت جائزة بوكر عام 1991، وأشاد بها الكثير من النقاد والأدباء في حينه، وأصدرتها دار دبلداي في طبعة أميركية، وسبق ذلك صدور مجموعة واحدة من قصصه في الولايات المتحدة هي مجموعة «نجوم حظر التجول الجديد»، الأمر الذي أكسبه الكثير من الإشادة النقدية والقليل من القراء الأميركيين.

ومع صدور مجموعة أوكري الجديدة والمثيرة للجدل «حكايات الحرية» تعود إلى الذهن بقوة الحقيقة القائلة إن القصص كانت على الدوام في صميم كتاباته. وتعد روايته «طريق الجوع» على وجه التقريب بمثابة مجموعة موسوعية من الحكايات التي تدور حول الصبي الذي يضطلع ببطولتها، والذي يدعى أزارو، فيما هو ينتقل في يسر بين عالم اللحم ودنيا الأرواح، وهذا القص السخي يواتي أوكري في يسر وعن طواعية بصورة مدهشة حقاً.

وهو يقول في هذا الصدد: «لقد حكيت لي القصص، حكيت لنا جميعاً القصص، ونحن صغار في نيجيريا. وكان يتعين علينا أن نروي قصصا تجعلنا نبدي اهتماماً بما يقول، وما كان يسمح لك بأن تروي قصصاً يعرفها الآخرون جميعاً، بل كان عليك أن تحلم بقصص جديدة، وتأتي بها من المجهول».

ويضيف: «لم يخطر ببالنا قط أن هذه القصص تضم بالفعل رؤية فريدة للعالم. الأمر يشبه إلى حد بيعد النهر الذي يتدفق قرب الفناء الخلفي لدارك، فهو موجود هناك دوماً، وأنت لا يخطر ببالك ولو مرة واحدة أن تلتقط صورة له، أو أن تسعى لسبر أغوار عالمه الأسطوري، فهو موجود هناك فحسب، وهو يسري في عروقك، ويتدفق في روحك».

ويتابع: «بالنسبة لي، فإنني بعد أن أوغلت كثيراً في رحاب الحداثة، وبعد أن بدأت في الشعور بأن طموحي أفضل من مهارتي، بعد فترة من الوحدة والحنين إلى الوطن فيما أنا بعيد عن نيجيريا، بعد هذا كله فحسب عادت إلي كل تلك القصص القديمة بوجوه وأصوات جديدة، وأدركت أن البشر جميعاً لهم توقيعاتهم على القصص التي يحكونها لأنفسهم في أحلامهم، القصص المغروسة في طفولتهم.

وكانت مغروسة في طفولة بن أوكري كذلك ذكريات الحرب الأهلية في نيجيريا، موسيقى الحياة الراقية في شبابه، تعليمه الثانوي على بعد أربعمئة ميل من عائلته في لاجوس، وهو يقول في هذا الصدد إن تجربة الرحلة ذاتها كانت جيدة لأنها «جعلتني أنغرس في الأرض وسط أهلي»، وانتقاله في وقت لاحق إلى إنجلترا، حيث درس في جامعة إسكس.

في انجلترا كسب بن أوكري سريعاً القبول بنشر أعماله، ولكن ذلك كان مقترناً بالقليل من المال. ويقول إنه بعد الجامعة: «عشت حياة شاقة معتمداً على لماحيتي، وكنت شريداً، أقيم في الشوارع، وأنام على أرضيات شقق الأصدقاء، وكنت سعيداً، وكنت بائساً». وعمل كذلك مذيعاً في هيئة الإذاعة البريطانية ومحرراً لمجلة «وست أفريكا» الشعرية، التي يقول عن تجربته فيها: «كانت لدي معايير عالية لاختيار القصائد للنشر، وفي نهاية المطاف تم طردي لأنني لم أكن أنشر قدراً كافياً من الشعر».

على الرغم من أن كتابات أوكري إفريقية إلى حد كبير بصورة مؤكدة في مادتها وأسلوبها فإنه يقاوم عمليات التصنيف، وعلى سبيل المثال فإن قراءاته الأولى تمثلت في الأساطير الإغريقية، شكسبير، ابسن، سوفوكليس، مارك توين، اسحق نيوتن، شو، تولستوي، تورجنيف، دستويفسكي والقواميس. وقد كان عشقه للكتب هو الذي دفعه للذهاب إلى لندن وفي حقيبته روايته الأولى، عندما كان في التاسعة عشرة من عمره. وهو يقول في هذا الصدد: «مضيت إلى لندن لأنها كانت، بالنسبة لي، موطن الأدب. ذهبت إلى هناك بسبب ديكنز وشكسبير. لا، دعنا نقل شكسبير وديكنز، بحسب الترتيب الصحيح».

يصف أوكري نفسه فحسب بأنه نيجيري المولد، يقيم في انجلترا، ويكتب باللغة الإنجليزية. ولكنه يصبح شديد الاهتمام حيال الكتابة الإفريقية، ربما لأنه هو نفسه وصل إليها متأخراً. ويقول في هذا الصدد: «إنني داعية عظيم لأوكيجبو» ذلك أن كريستوفر أوكيجبو هو شاعر عظيم ينبغي للجميع أن يحفظوا أبياته عن ظهر قلب، فهي جميلة للغاية».

وهو يشدِّد، على سبيل المثال، على أننا إذا أردنا الحديث عن الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، فإننا ينبغي أيضاً أن نتحدث عن الروائي النيجيري شينوا أتشيبي. وإذا فكرنا في الشاعر الأسباني جارسيا لوركا فإننا ينبغي أن نفكر أيضا في الشاعر والمسرحي النيجيري وولي سونيكا. ويتابع: «يحزنني أن ألتقي أناساً يمكنهم الحديث بطواعية بالغة عن فارغالوسا، من دون أن يكونوا قد قرأوا أتشيبي. كان ذلك أمراً عبثياً تماماً».

ولكن كيف يصف بن أوكري نفسه؟

يجيب أوكري عن هذا السؤال بقوله: «أعتقد أن بن أوكري كاتب يعمل بجد بالغ ليشدو من كل الأشياء التي تؤثر فيه. ولست أدري ما إذا كان كاتباً إفريقياً، كاتباً بريطانياً. إنني لم أفكر في نفسي من خلال أي تصنيف».

ويضيف: «الأدب ليس له بلد. إن شكسبير كاتب إفريقي ومسرحيته (فالساف)، على سبيل المثال، إفريقية تماماً في تذوقها للحياة، في رحابة روحها. وشخصيات تورجنيف هي من سكان حواري كل الدنيا، وشخصيات دكنز نيجيرية. هل تدرك ما أعني؟ ربما ينبع الأدب من مكان محدد، ولكنه يعيش دوماً في مملكته الفريدة».

منى مدكور