ربما لم يقدر لمجموعة قصصية أن تثير قدراً هائلاً من الخلافات والجدل المحتدم حولها كالذي أثارته مجموعة الكاتب النيجيري بن أوكري الصادرة مؤخراً تحت عنوان «حكايات الحرية». وهذه الخلافات وذلك الجدل بمثابة نهر دافق لا يغمر شكل هذا العمل وحده، وإنما مضمونه أيضاً.
من حيث الشكل، فإن أوكري يفترض أنه قد أبدع شكلاً جديداً من أشكال الأدب يدعى «ستوكو».
ويوضح الكاتب النيجيري في هذا الصدد: «الحكايات التالية ربما كانت ستوكو. والستوكو هو مركب يتألف من القصة القصيرة وقصيدة الهايكو، فهو قصة حيث يميل إلى أن يكون ومضة لحظة، استبصاراً، رؤية، أو أحجية.
وبينما لم تتردد فلير أدكوك في مقال في صحيفة «فاينانشال تايمز» في الإشادة بهذا القالب الإبداعي الذي صاغه أوكري باعتباره تجسيداً لثقة الأديب النيجيري في صلابة القاعدة القوية للمعجبين بإبداعه، فإن توم ديفسون لم يتردد في مقال في «صنداي تايمز» في فتح النار على هذا القالب الإبداعي وعلى موضوعه على حد سواء، فنراه يختتم مقاله بأن الوحدة في هذه المجموعة إنما تنبع من إخفاقها في تحقيق شيء يعتد به.
وعلى صعيد المضمون، نلمح جدالاً لا يقل احتداماً، يتراوح بين الإعجاب بالعالم الذي يسبر أوكري غوره على امتداد المجموعة وصولاً إلى عدم التردد في القول إن ما تضمه دفة الكتاب هو تجسيد لهدر الوقت والجهد.
لا يتردد موقع «أمازون» الشهير في الإشارة إلى أن أوكري يضم في مجموعته الجديدة الشعر والنثر معاً في قالب إبداعي جديد فاتن، مستخدماً الكتابة والصورة بعد تجريدهما من كل العناصر الزائدة، وصولاً إلى الأساسيات وحدها، حيث تلتقي قصيدة الأيكو بالقصة القصيرة. القصة، أو الحكاية، الأطول في المجموعة تحمل عنوان «مصير كوميدي»، وأبطالها يحملون أسماء غريبة، مثل الكهل، العجوز، اللذين يمضيان معظم وقتهما في تعنيف وتقريع خادمهما بنبروب وهو شخص يحمل عناصر من شخصيتي «لاكي» و«بوزو» في مسرحية «في انتظار جودو»، وهو أيضاً الوحيد في القصة الذي يحمل اسماً. ولا تتردد العجوز في أن تهتف بزوجها، مشيرة إلى الخادم قائلة: «عليك بإخصائه!»، فيرد: «إنه مخصي بالفعل»!
وغير بعيد عنهما يتجادل شابان قرب شجرة تحمل الوصف الغريب «جنة للإيجار» ونلمح شخصاً يدعى «الرجل» يهرب إلى هذا المكان الغريب قادماً من مستشفى للمجاذيب.
وتتراوح موضوعات القصة ما بين متابعة صبية يتامى في مدينة قصفت بالقنابل إلى لاعب كريكيت أسطوري ابتكر لعبة أقرب إلى الغولف منها إلى أي شيء آخر. وثمة فتى يلتقي شابة على متن حافلة ويتجاذب معها أطراف الحديث على نحو يلفه الغموض، وفي قصة أخرى يستقطب اهتمامنا وباء يحل بساحة «دار كانت بلداً» على حد تعبير أوكري.
ولا نملك إلا أن نتوقف عند مقاطع محددة في مقال توم ديفسون الذي سبقت الإشارة إليه، والذي يعيد إلى أذهاننا مدى إعجابنا بقصص فرانز كافكا الفاتنة القصيرة، التي ربما كان أوكري يستلهمها على نحو ما، لكن الناقد البريطاني يؤكد لنا ـ محقاً ـ أن قصص أوكري تفتقر بوضوح إلى قوة قصص كافكا وبورجيس أيضاً.
وربما كان جانب من مبررات هذا الحكم يرجع إلى أن حبكات هذه القصص مضجرة ومبتذلة ويمكن التنبؤ بها. وعلى سبيل المثال فإننا نلتقي في إحدى هذه القصص برجل يتم الخلط بينه وبين شقيق زوجته، ثم يفضح في النهاية باعتباره مدعياً. وفي قصة أخرى نحن على موعد مع زوجين يلتهمان وليمة، وهما يتجاهلان حشداً من الجائعين. وربما كان الانتقاد الأساسي الذي يمكن أن يوجه إلى المجموعة هو أن العناصر الفائضة فيها والتي كان يمكن للكاتب ـ الشاعر حذفها في يسر من دون أن تؤثر على جوهر القصص تجعل القول بقرابة نصوصها إلى الهايكو ادعاء يعكس الكثير من عدم الدقة ويبدو غير محتمل.
غير أن ذلك ليس الانتقاد الوحيد، بالطبع، فأوكري يملأ صفحات مجموعته الجديدة بالعناصر غير المهمة والباعثة على الضيق، وعلى سبيل المثال في القصة التي تدور حول شابة تستقل حافلة وتتجاذب أطراف الحديث مع فتى في طريق عودته من المدرسة إلى الدار، نجد أن الفتى تطرح عليها مجموعات متتالية من الأسئلة، كل مجموعة منها تتألف من عدة أسئلة من قبيل: «هل تحبين البيوت؟ هل تحبين سنا البدر؟ هل تحبين المرايا؟».
وتمتلئ المجموعة بإشارات بعيدة عن الأصالة إلى بوريس باسترناك وأنطوان تشيخوف وليو تولستوي، وهي إشارات تبدو لنا، في نهاية المطاف، عبثية ومجردة من المعنى، ويمكن الاستغناء عنها، بل ويتعين الاستغناء عنها.
ونصادف أيضاً العديد من العبارات التي تبدو لنا بعيدة عن عالم الإبداع وأقرب إلى أجواء الكليشيهات الصحافية المستهلكة من قبيل: «كانت الثقافة في حالة سقوط حر، في حالة انصهار، متردية إلى أغوار الجحيم». وأيضاً «أصبح الفخ فأراً»، ومثل هذه العبارات تبدو أكثر تجرداً من المعنى كلما أوغلت في تأملها.
ولا يتردد توم ديفسون في وصف ما قدمه أوكري بأنه: «هذه كتابة تشير إلى إعجاب بالذات يتجاوز كل مزاياها».
أيا كان الأمر، وربما بسبب هذا الخلاف المحتدم حول مجموعة بن أوكري، الذي امتد عبر ساحلي الأطلسي كليهما، فإننا نظل أمام مجموعة قصصية تستحق، الكثير من التأمل والاهتمام، على صعيدي الشكل والموضوع كليهما.
الكتاب: حكايات الحرية
تأليف: بن أوكري
الناشر: رايدر
لندن 2009
الصفحات: 208 صفحة
القطع: المتوسط
