في إطار فعاليات الحملة الأهلية لاحتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية 2009، صدر، مؤخرا، عن مطابع ألف باء- الأديب في دمشق كتاب «لأجلك ياقدس» للكاتبة السورية مهاة فرح الخوري، الذي يقع في 266 صفحة، ويجمع بين دفتيه مجموعة كبيرة من المقالات والخواطر والمحاضرات التي كتبتها المؤلفة ونشرتها على مدار العقود الثلاثة الأخيرة في العديد من الصحف والدوريات العربية والأجنبية.
كما يحتوي الكتاب على مقدمات كتبها كل من دكتور أحمد بدر الدين حسون رئيس مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا والمطران جورج خضر متروبوليت جبل لبنان والشيخ حسين أحمد شحادة، فضلا عن مقدمة الكاتبة نفسها، التي تقول فيها: «سنوات عديدة، عشرات من السنوات عايشتك يا قدس عايشتك قلباً وقالباً، ترجمةً وتنقيحاً، تدقيقاً، تحقيقاً، وكتابة نثراً وشعراً، وأيضاً مشاركة في عشرات من المؤتمرات واللقاءات، مكرسة لك يا منارة فلسطين، عقدت في عواصم ومدن العالم شرقية، عربية، أوروبية، أميركية، كان لي فيها مداخلات، مناقشات وإيضاحات لاقت تجاوباً وتركت أثراً.
ألا تستحق عاصمة الإسراء والمعراج والشهادة تحية إكبار وإجلال هدية متواضعة توجز ما طفق به القلب وتبناه الفكر، كلمات محبة وحنين، ومنطق سجلتها خلال مسيرتي الأدبية الطويلة».
تلك الكلمات جاءت مزينة ومسبوقة بغلاف تبرز فيه لوحة فنية رسمها الفنان إلياس زيات تحاكي عناصرها الجمالية والفكرية مضامين اشتغلت عليها مهاة فرح الخوري وشغلتها منذ نعومة أظفارها، في تلك اللوحة تظهر مدينة القدس ممثلة بامرأة بالزي الفلسطيني متوجة بسور المدينة وهي طريقة تراثية سورية نجدها في مواقع أثرية متعددة في سوريا، على يسار المرأة الرمز يتماهى الهلال والصليب تحملهما مئذنة وقبة كنيسة، وتظهر المدينة محاطة بأسلاك شائكة.
اللافت للانتباه في كتاب «لأجلك ياقدس» تلك الحالة من التماهي بين أربعة عناصر رئيسية، أولها قادم على متن صوت فيروز، التي غنت للقدس أغنية حملت عنوان الكتاب نفسه، والثاني تمثله لوحة الغلاف والثالث يجسده تعدد مقدمات الكتاب، التي يقول الشيخ حسين أحمد شحادة في إحداها : «ولعل أبرز حقيقة أوردتها مهاة في مقالاتها هو تجديد الوعي القادر على جمع المختلفات من قضايانا في صورة واحدة وقضية واحدة».
أما العنصر الرابع والأهم فيتراءى من خلال نصوص الكتاب جميعها، فضلا عن مقدمة الكاتبة نفسها، التي تشكل مجتمعة بانوراما معبرة وجميلة لا تخلو من المغامرة في زمن ارتفع فيه صوت التطرف حتى كاد يطغى على دعوة المؤلفة إلى إشاعة السلام والمحبة على الأرض وبين البشر بغض النظر عن عرقهم أو جنسهم أو معتقداتهم، على الرغم من الحضور الكثيف لمفردات الوطن والأرض في فكر الكاتبة وضميرها وتوجهاتها.
ولعل أبرز ما يسترعي انتباه الناظر في تجربة مهاة يكمن في تلك السيمفونية الكونية التي تتجلى في تفاصيل حياتها اليومية والعملية ومسيرتها الإبداعية، حيث يسجل حضورا كثيفا لحالة من التعاضد بين ما هو وطني وقومي وإنساني، مع أن ذلك لا يحجب البتة احترامها لشتى المعتقدات الدينية في الكون، ودعوتها الحثيثة للتعايش بين معتنقيها، ولعل كتاب «من أجلك يا قدس» يأتي ليتكامل مع التوجهات العامة للكاتبة وذلك لما تمثله هذه المدينة العريقة من حالة تعايش راقية وغير مسبوقة بين الديانات السماوية الثلاث.
لكن ثمة غصة تكتم فرحة الكاتبة بمدينتها الجميلة، التي لم يقر لها عين منذ دنسها الاحتلال الصهيوني، محاولا تهويدها واغتصاب حق أهلها من السكان الفلسطينيين فيها، غصة تمكنت الخوري من تحويلها إلى صرخة في وجه الظلم والاستبداد والاحتلال، صرخة حاولت مهاة ولا تزال جعل صداها يصل إلى أبعد نقطة ممكنة في الكون، صرخة تقول أوقفوا العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني وأعيدوا الحق لصاحبه والأرض لمالكها واللاجئ إلى بيته وردوا الطفل إلى حضن أمه والتلميذ إلى مقعد مدرسته والحبيب إلى حبيبته.
في حين يشكل كتاب «لأجلك يا قدس» مساهمة مهمة في إحياء فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية على طريق استرداد الحقوق العربية المغتصبة،لا بد من التذكير بأن هذه الخطوة ما هي إلى نقطة في بحر ما قدمته مهاة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية والإنسانية عموما من خلال مؤلفاتها وترجماتها، فضلا عن نشاطها وحركتها الدؤوبين في الحياة العامة على الصعيدين المحلي والعالمي.
الكتاب: لأجلك يا قدس
تأليف: مهاة إلياس الخوري
الناشر: مطابع ألف باء الأديبد مشق 2009
الصفحات: 266 صفحة
القطع: المتوسط
باسل أبو حمدة
