يبين كتاب «الآخر في الثقافة العربية» لمؤلفه شمس الدين الكيلاني كيف أن العرب نظروا إلى «الشرق الأقصى» من الزاوية الجغرافية والحضارية، كمنطقة تحتل الزاوية الشرقية من العالم.اتجه الكاتب في بحثه إلى جلاء الصورة التي كوّنها العرب عن حضارات الشرق الأقصى في الهند والصين وجيرانهما في البحر والبر.

وتمثلوها في ثقافتهم في العصر الوسيط، فامتزجت في تلك الصورة الحدود التي وصلت إليها المعرفة العربية، بالمواقف الوجدانية، ومعايير أحكامهم على الآخر.بدأ شمس الدين الكيلاني بحثه منذ مطلع عصر التدوين، في القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي، مستفيداً من احتكاك العرب المبكر بها، في البر والبحر، عن طريق التجارة والرحلات ومناوشات الحدود والاقتباسات الثقافية المتبادلة، فدونوا معارفهم وتخيلاتهم عن الصين والهند وجيرانهما في الشمال وجزر المحيط الهندي في الجنوب، في مصنفاتهم الأدبية والفلسفية والتاريخية والجغرافية، وفي أدب الرحلات الذي شكّل النافذة الأكثر أهمية في التعرف على تلك البلاد.

تجلى ذلك بوضوح مع أصحاب المدرسة الجغرافية العربية الكلاسيكية، في القرن العاشر الميلادي مع الأصطخري (340 ه/951م) وابن حوقل (367 ه/977 م)، والمقدسي (387 ه/997 م) الذين جمعوا بين الترحال والعلم الجغرافي، أما الرحلة، فقد شكّلت اللحظة الأكثر انفتاحاً وانطلاقاً، في المعرفة العربية عن الآخر، لأنها اتخذت من التجربة والمشاهدة المباشرة، أساساً لتدوينها ووصفها فكان الرحالة العربي، بمثابة اثنوغرافي أصيل، اختزن في جوانب وصفه إرهاصات الأنثربولوجي الحديث، وهو ما ساعده على اختراق الصورة الثابتة النمطية التي ورثها الجغرافي العربي عن بطليموس، وجعله أكثر قرباً من واقع الحياة الحضارية للشعوب.

يقيم الباحث مقاربة عن الصورة التي كونها العرب عن موقع تلك الشعوب في الجغرافيا الكونية المتخيلة في ذلك الزمان، ومركزها ما بين البرّ والبحر، والتعرف على حدودها الشمالية البرية، والجنوبية البحرية، وأيضاً موقعها على الخريطة الكونية، ومقدار قربها وبعدها عن خطّ الاستواء، ومن خطوط العرض والطول، وما يترتب على ذلك من أحكام، فضلاً عن ترتيبها من التقسيم السلالي الذي رسمه بعض الجغرافيين العرب ومؤرخيهم للشعوب، ثم تحديد مكانتها من تأثير مواقع النجوم والأفلاك.

كرس المؤلف بحثا معمقا للشعب الصيني في بيئته الثقافية والحضارية كما تراءى للفكر والمخيلة العربيين، وتجلت في مؤلفاتهم، وتصنيفاتهم في العصر الوسيط، وبكل ما اختزنته من أحكام ومعايير، ثم يليه الفصل الخامس وموضوعه الهند وشعبها وحضارته وثقافته، كما تجلّت في التصنيف والرؤية العربية في العصر الوسيط، وتحدث عما أسماه عن «جيران البرّ» دارسا عالم البحر الشرقي وجزره وغرائبه و الرياح والتجارة، وسلوك المرأة وموقعها والدولة والدين، ثم تحدث عن جزيرة سيلان وسومطرة وجاوة وقمار وسلا وجزر الواق واق، وختم بحثه بالحديث عن الأتراك الآخرين.

قدّم شمس الدين الكيلاني صورة عن الشعوب التركية الشمالية، إنها صورة نادرة وغنية، فيها الواقعي والمتخيل، والسرد الموضوعي الممزوج بالأحكام والمعايير، إلا أنها بكل الأحول قدمت معطيات لا يمكن الاستغناء عنها لمعرفة مقطع هام ومجهول من حياة تلك الشعوب.

الكتاب : الآخر في الثقافة العربية

تأليف: شمس الدين الكيلاني

الناشر: وزارة الثقافة السورية دمشق 2009

الصفحات : 432 صفحة

القطع: المتوسط

فيصل خرتش