يشكل عنوان كتاب «الإرهاب في جزيرة العرب» للباحث إسحاق الشيخ يعقوب مدخلا لتحديد المدى الجغرافي الذي يستغرقه البحث في ظاهرة الإرهاب، التي فرضت نفسها كتحد حقيقي لاستقرار وتوجهات بلدان الخليج العربي وفي مقدمتها السعودية التي عانت في السنوات الماضية من أعمال الإرهاب للجماعات الأصولية المتطرفة.

ومنذ البداية يعمل الباحث على تعريف الإرهاب الذي يراه يتمثل في قسمين اثنين الأول مادي، والثاني فكري، حيث يتداخل القسمان في حركة جدل متواصلة فيما بينهما، وبينما يأخذ الإرهاب الفكري نشاطه المدرسي والثقافي والتربوي ضمن قياسات دينية وعرقية وقومية فإن الإرهاب المادي يأخذ نشاطه عبر ممارسة العمليات العسكرية والحروب الطائفية والاغتيالات.

وفي قراءة تاريخية لجذور التشدد والتطرف في الخليج يؤكد الباحث أن الأخوان المسلمين قد شكلوا الأساس لهذه الظاهرة بعد أن تمددوا في الخليج والجزيرة العربية لاسيما في مجال التعليم، ما ساهمت هذه السياسة في إنعاش ثقافة الإرهاب .

حيث تلعب المدارس والكليات وأجهزة الميديا دورا خطيرا في هذا المجال، أما في الجزيرة العربية التي مضى أكثر من مائة عام على توحيدها فسادت القيم المادية والفكرية من خلال ثباتها على متحركها رغم التحرك شديد البطء الذي صاحب استخراج النفط على أيد أميركية غريبة في طبيعتها المادية والمعنوية فكان ذلك بداية الصراع بين الجديد والقديم انعكس على حياة الناس دون أن ينشغل الأميركيون المهتمون باستنزاف النفط بأمور تحريك الحياة الاجتماعية، ثم تأتي ثوابت نصوص القيم الدينية كركائز لها فعاليتها الطاغية في المجتمع.

إن العلاقة بين التعليم والإرهاب جعلت الباحث يفرد فصلا من الكتاب للبحث في قضايا التحديث والحرية والانفتاح على ثقافة الحداثة وذلك من خلال تحديث المناهج التعليمية والإعلام وتطهيرها من عقلية التطرف والتشدد بغية تجفيف منابع الإرهاب باعتبار أن قطاع التربية والتعليم هو أهم قطاع في المجتمع لأنه الأساس لكل القطاعات الأخرى فيه، ولذلك يطالب الباحث بالعمل السريع على تطوير تلك المناهج الغارقة في تخلفها، طالما أن القضاء على الإرهاب يتطلب بصورة جوهرية تطوير البرامج التعليمية وتطهير المدارس والمعاهد والجامعات من رموز الإرهاب.يتناول الباحث الإرهاب في فقه المعروف والمنكر في ضوء مفهوم النسبية الذي يفرضه الواقع في تحولاته التاريخية والاجتماعية والثقافية، ليتوقف بعدها عند إرهاب الردة في فقه التطرف.

كما تكشف عن ذلك ثقافة الإقصاء والتكفير والنفي التي ساهمت في إقصاء أصحاب الفكر التنويري عن التأثير في عقول الناس وتحريرهم من الفكر المتطرف والظلامي خاصة وأن الأصولية الدينية المتطرفة تؤدي دورا مشبوها في إضاءة حاكمية الخليفة والسلطان الذي يخضع الأصل والفرع لسلطانه وسلطته.

ولعل الازدواجية التي تعاني منها الدولة بين العناصر العلمانية والثيوقراطية هي التي تعوق حركة تطور المجتمع ما يستدعي الجرأة في اتخاذ القرار من قبل السلطة السياسية في تحديد خياراتها.

ويحدد الباحث منابع الإرهاب في الجزيرة العربية ودول الخليج ممثلة بقطاع وزارة التربية ووزارة الإعلام والنشر إذ لجأت قوى التطرف منذ ستينات القرن الماضي إلى السيطرة على هذه القطاعات المهمة والمؤثرة بغية تفعيل نشاطها ولتوضيح هذا الواقع يقدم وقائع كثيرة حدثت في قطاع هذه المؤسسات دلت على محاولة فرض ثقافة التشدد والاستعاضة عن المناهج بتلقين الطلاب ما يريدونه من أفكار على الرغم مما تعاني منه المناهج أصلا من تخلف ومشاكل تحتاج إلى حل من خلال تطويرها وتحديثها.

وفي النهاية يقدم إسحاق الشيخ يعقوب ثبتا لمذكرة النصيحة التي قدمها الإصلاحيون في السعودية لمواجهة ظاهرة الإرهاب ورد الفعل الذي عبرت عنها الحركة السلفية مقدما نقدا واضحا لما تضمنته تلك الوثيقة من خطة عمل، وللحركة السلفية التي عملت على مهاجمة أصحاب تلك الوثيقة واتهامهم بالخروج على أصول الدين كما تراه من منظورها السلفي.

الكتاب: الإرهاب في جزيرة العرب

تأليف: إسحاق الشيخ يعقوب

الناشر: دار الفارابي بيروت 2008

الصفحات:341 صفحة

القطع : الكبير

مفيد نجم