اللافت للنظر أن الناقد عبدالفتاح صبري في كتابه «العمالة الوافدة وأثرها في الأدب الإماراتي ـ القصة نموذجاً» يرى ان القصة الإماراتية القصيرة سبقت الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية إلى التنبيه من خطر الخلل الحاصل في التركيبة السكانية بعد ظهور النفط ، والتحذير منه. ولكن صوت هذه القصة لم يُسمَع جيّداً، تبعاً لغياب النقد الأدبي الذي ينقل الصوت الإبداعي إلى صوت مسموع مباشر واضح محدَّد.
من المفيد أن نلاحظ، بادئ الأمر، أن الأصول الأولى لهذا الكتاب كُتبت عام 1996، قبل اثنتي عشرة سنة، بيد أن عبدالفتاح صبري لم ينشر دراسته عن العمالة الوافدة في نصوص هؤلاء المبدعين في كتاب؛ لظروف يعرفها صاحبها ويدرك أهميتها. وحين رغب في أن ينشر دراسته في كتاب رأى من المفيد أن يُخصِّص قسماً ثانياً يبحث فيه العمالة الوافدة في نصوص القاصين الذين دخلوا الحياة الأدبية بعد مرحلة الرواد.
وقد اكتشف أن القاصين الذين اهتموا بمعالجة موضوع العمالة الوافدة قلّة قليلة، كفاطمة محمد، وسيف المري، ومحسن سليمان، في حين أهمل كثير من القاصين الجدد هذا الموضوع، أو رصدوه في إحدى قصصهم في شكل إشارات عابرة. غير أن التباين بين القاصين الإماراتيين الرواد والقاصين الجدد في معالجة موضوع العمالة الوافدة، ليس مقتصراً على التباين العددي، بل إن هناك اختلافاً بينهم يمسُّ طبيعة المعالجة، وهو اختلاف أكثر عمقاً من عدد المشاركين. ويمكن توضيح هذا الاختلاف من خلال الإشارة إلى الأمرين الآتيين:
الأمر الأول: إن نظرة القاصين الإماراتيين الرواد إلى العمالة الوافدة نظرة ذات محتوى إنساني وإن كانت سلبية. فقد كثر، ضمن هذه النظرة، عدد الوافدين، فامتلأت المدن بهم، حتى ضاقت بأهلها، كما عبّرت سعاد العريمي في قصتها (ذكريات الزمن المفقود)، وناصر الظاهري في قصته (العرصة). ورافق الجانب العددي سلبيات كثيرة، يتعلق بعضها بلغة التفاهم في الحياة اليومية، وأثرها السلبي في اللغة العربية.
وهذا التأثير الذي رصدته دراسة عبدالفتاح صبري في الإبداع القصصي، كان علي عبدالعزيز الشرهان رصده في دراسته (تحولات اللغة الدارجة) التي صدرت عام 1990، وفيها قوائم بأصول الكلمات السائدة في لغة التفاهم في الحياة اليومية في دولة الإمارات. وتتعلق سلبيات أخرى بالتأثير السلبي للعمالة الوافدة في الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات التي تُقدِّمها الدولة وتتحمّل أعباءها المادية، ولكن الوافدين أكثر إفادة منها.
والأمر الأكثر خطورة هو تأثير هذه العمالة الوافدة في العادات والتقاليد، كشيوع (السهر في الفنادق) الذي رصده إبراهيم مبارك في قصته (رتبة)، والزواج من أجنبيات جئن للعمل في الإمارات، وتأثير الخادمات في لغة الأطفال وعاداتهم ومعتقدهم الديني الإسلامي، وتغريرهن ببعض الشبان، وافتعالهنّ المشكلات المادية والسلوكية، وغير ذلك من السلبيات، كالخمرة التي رصدها عبد الرضا السجواني في قصته (سعيدة)، وإبراهيم مبارك في قصته (رتبة).الأمر الثاني:
إن القاصين الجدد قدَّموا، كما لاحظ عبدالفتاح صبري، منظوراً جديداً للعمالة الوافدة، هو مراعاة موقف (الآخر) ورؤيته لاغترابه. وهي نظرة إنسانية لا تجافي الإيحاء والتصريح بالخطر، وإن كانت تراعي حقوق هذه العمالة، كما هي الحال في قصص محسن سليمان في مجموعته (خلف الستائر المعلقة). ولعل نشوء القاصين الإماراتيين الجدد في مناخٍ اعتاد هذه العمالة، وألف سلوكياتها وأخطارها، أثر في نظرتهم الجديدة إليها. لعل هؤلاء القاصين سألوا أنفسهم: كيف ينظر الوافد إلى إقامته في مغتربه؟
وراحوا بعد ذلك يختلفون في الإجابة عن هذا السؤال، دون أن يصلوا إلى المدى الذي وصل إليه أحد الرواد، وهو عبد الرضا السجواني في قصته (رياح الليل الدخيلة). إن الأمرين السابقين ينمان على رؤيتين غير متناقضتين، وإن كانت الأولى تعبيراً عن منظور المواطن، وكانت الثانية تعبيراً عن الآخر الوافد.
فالمعالجة الفنية والرؤية المستنبطة منها تُحدِّدان السلبيات، ولكنهما لا تضعان الحلول، وأشار عبدالفتاح صبري إلى حدود معالجة موضوع العمالة الوافدة في الأدب الإماراتي، وفي غيره من الآداب. ولهذا السبب لا نعثر في القصة الإماراتية القصيرة على إشارات محدَّدة للخلل في التركيبة السكانية نتيجة التضخُّم في أعداد العاملين الوافدين من دول مختلفة، عربية وأجنبية. كما أن قناعة المتلقي بالمعالجة القصصية لا تتحقَّق إذا لم تكن القصص فنية قادرة على التأثير والإمتاع، وهذا أمر يحتاج إلى دراسة مستقلة، وإن أشار عبدالفتاح صبري غير مرة إلى التفاوت الفني في النصوص القصصية الإماراتية.
الكتاب: العمالة الوافدة وأثرها في الأدب الإماراتي القصة نموذجاً
تأليف: عبدالفتاح صبري
الناشر: الدار الثقافية للنشر القاهرة 2009
الصفحات: 142 صفحة
القطع: المتوسط
د. سمر روحي الفيصل
