تشهد العاصمة الايطالية بمناسبة عيد ميلادها 2762 معرضا فنيا كبيرا في صالات قصر مبنى الجندي المجهول الذي يقع في قلب روما قام بافتتاحه رئيس الجمهورية يرافقه وزير الكنوز الثقافية وعمدة بلدية المدينة. يحتوي المعرض مئات الأعمال الفنية، والمجسمات والتماثيل واللوحات التي تعود إلى بدايات تأسيس المدينة، وحتى الوقت الحاضر.
ما يبدعه الايطاليون بين الحين والآخر يكاد يكون الوسيلة الوحيدة لإضاءة القلب وجعله ساخنا على الدوام، والمثل الذي يسمعه المرء في كل مكان في العالم «كل الطرق تؤدي إلى روما» تحول على أيدي الايطاليين إلى معرض فني، وكأنه يريد القول ان زمن روما لا يزال معافى. هذا المعرض الذي يبدو للوهلة الأولى بأنه مختلف عن المعارض التقليدية فهو يحتوي على عدد كبير من المنحوتات التاريخية القديمة التي يعود بعضها إلى عدة عهود من مسيرة الإمبراطورية الرومانية، كذلك عدد من اللوحات الفنية التي رسمها كبار الفنانين الذين زاروا روما في القرون الماضية، كما يحتوي على مجاميع مختارة من الصور الفوتوغرافية عن المدينة في العقود الماضية، وهنالك صالات تحتوي على مجاميع من الوثائق والخرائط المعمارية والنماذج البلاستيكية الملونة لروما القديمة والحديثة.
عراقة مدينة روما المدينة العريقة على الرغم مما أصابها من دمار وتدمير متعاقبين، ظلت حتى نهايات القرن السابع عشر تصمم وتنشئ وتعيد بناء روائع معمارية تمثل ابرز الطرز المعمارية العالمية وتضاهي أو تتقدم مثيلاتها في عموم أوروبا، وتطور على نحو مستمر تقاليد وأساليب إنشاء وحلول وتصاميم معمارية.روما الحديثة وحسب ما يبرزه هذا المعرض الكبير، لم تعد تملك عند أهلها تلك الهالة المقدسة الطيبة، فهي تعتبر حاليا تجسيدا حسيا لصفتي القوة والضعف، فهي من ناحية تعد من أقدم وأجمل عواصم العالم الأوربي بمتاحفها وشوارعها التاريخية وأسواقها الرحبة المنتشرة في كل مكان وآثارها التي لا تفارق عين زائرها، وهي من ناحية أخرى تتحلل في مجرى التطور التاريخي.
حيث تتفاقم فيها الفوارق الاجتماعية، فتتفتح في أعماقها هوة هائلة، وتنتشر فيها الفاقة والأحياء القذرة، وتتقلص خدماتها، ويسود بيئتها التلوث، وتعاني من انعدام تشكيل محيط إنساني داخل ظروف وتركيبة جديدة تستند على توافق مرن ما بين الحزام السكاني والصناعي والحزام الأخضر.
المعطيات السكانية تشير إلى أن وضع المدينة في المستقبل القريب سيكون نقطة تمركز للغازات والمواد السامة والتلوث العام، إذ تؤكد الدراسات الأخيرة على ان المدينة ستكون غير ملائمة لمتطلبات الإنسان، وانها ستؤثر عليه بشكل سلبي، وذلك على ضوء عملية اختلال التوازن الطبيعي، وعدم اكتمال عملية التمثيل الضوئي بالدرجة الكافية، الأمر الذي سيجعل المدينة تعتمد على الطاقة والأوكسجين الذي يقع خارج حدودها.
يتصدر صالات المعرض نسخة تمثل المجسم البرونزي الشهير والذي يمثل ذئبه وتحت أثدائها طفلان يرمزان إلى الشقيقين( رومولوس) و (ريموس) واللذين تقول الأسطورة بأنهما أسسا مدينة روما على سبعة تلال يشقها نهر التيفر، وكان موقعها يبعد حوالي 26 كيلومترا عن شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وكانت هذه المسافة من القرب بحيث تسمح باستخدام البحر ومن البعد بحيث تحمي المدينة من هجمات القراصنة.
البدايات الأولى
يشاهد الزائر في أجنحة المعرض الأولى البدايات الأولى للتراث الروماني، فلقد كان الرومان في سنة 500 قبل الميلاد رعاة بسطاء يعيشون في أواسط إيطاليا، وفي زمن ولادة السيد المسيح أصبحوا سادة لإمبراطورية تتراءى على جميع أطراف البحر الأبيض المتوسط، لقد كانوا جنودا أشداء صنعوا لأنفسهم شهرة واسعة بتفوقهم في ميادين القتال، وهناك إشارات في المعرض للاماكن العديدة في العالم التي يمكن مشاهدة بعض آثار الإمبراطورية الرومانية، فأينما ذهب المرء يشاهد بقايا الطرق وقنوات المياه والقلاع والأسوار التي كانت تحمي مدنهم، وكانوا ينشرون الأمن والنظام، ويفرضوا قانونهم الروماني.
وهم لحد يومنا الحاضر يفخرون بإمبراطورهم الأول( أغسطس) والذي جعل من روما عاصمة تليق بإمبراطوريته، فقد وجد روما قبل استلامه الحكم مبنية من الطوب وتركها عند وفاته سنة 14 ميلادية، مدينة مبنية من المرمر، وانشأ فيها المكتبات العامة والجسور والملاعب والحمامات العمومية، وقنوات الماء، وشق الطرق التي تخترق إيطاليا من الشمال إلى الجنوب.
ويتصدر المعرض النسخة الأصلية التي تم ترميمها لمجسم الإمبراطور ماركو أوريليو «ماركوس أوريليوس» وهو يمتطي صهوة جواده والذي يعتبر من أجمل المجسمات التي انجزت في القرن الميلادي الثاني وعلى يد فنان مجهول، حيث يجمع خبراء الآثار على انه أقدم تماثيل الخيول في العالم والذي صنع على أجزاء قبل ابتكار طريقة القوالب في القرن السادس عشر، وقد استقر هذا التمثال ومنذ ألف عام في ساحة كامبيدوليو التي تعتبر أجمل ساحات روما التي صممها الفنان الكبير ميخائيل آنجلو سنة 1546 وجاءت منذ ذلك اليوم كإحدى أعاجيب الفن المعماري الذي يتجدد جمالا مع مرور العصور.
نيرون
ولا يغيب عن المعرض الإشارة إلى الحريق الشهير الذي أشعل المدينة عام 64 للميلاد والذي استمر تسعة أيام ودمر ثلاثة أرباع المدينة، وكان الإمبراطور آنذاك نيرون الشهير بقسوته، كما تدعي بعض المصادر التاريخية، فقد بنى المدينة من جديد، وبنى لنفسه قصرا أصبح من الضخامة للحد الذي أطلق عليه اسم البيت الذهبي، وفي مدخله أقام تمثالا لنفسه علوه 36 مترا.
مبنى الكولوسيوم
اما مبنى الكولوسيوم الذي عرضت له مجموعة كبيرة من التخطيطات واللوحات لأشهر فناني العالم، فهو المزار الرئيسي للسياح في كل أنحاء العالم، وهو واحد من أعظم المباني التي بقيت آثارها من العهد الروماني، وقد استغرق بناؤه أكثر من عشر سنوات، وعند اكتماله كان يتألف من أربعة طوابق، وكان يتسع لخمسين الف متفرج وفي وسطه حلبة بيضاوية الشكل، كان السّيافون يقتلون فيها الحيوانات، او يقتل بعضهم بعضا ترضية لرغبات الأمراء والنبلاء. وكانت الحلبة الوسطية تملأ بالماء لكي تمثل فيها المعارك البحرية.
وقد لعب الكولوسيوم دورا هاما في الحياة السياسية الرومانية، وتذكر المصادر التاريخية ان الإمبراطور تراجان أقام إحدى المرات ألعابا في مبنى الكولوسيوم استمرت مدة ( 123) يوما متواصلة، وشهد المتفرجون فيها موت أكثر 000, 10 سيّاف و000 ,11 حيوان كاسر.
المجسم الكبير الآخر للملعب الكبير الذي يقع بالقرب من الكولوسيوم، وهو ذو دلالة دينية ويحتوي على 12 بابا، وكانت تجري فيه مشاهدة سباق العربات الشهيرة التي تقودها عادة أربعة جياد رمزا لفصول السنة، والبناء يطلق عليه الآن( جيركلو ماسيمو) كان يتسع لأكثر من 350 ألف شخص، أي ثلث سكان روما يومئذ.
مجسمات أخرى لمبنى( الكاركالا) الذي تقام به سنويا احتفالات فلكلورية وغنائية راقصة، وهو الآن من أشهر الأماكن التي تشهد حفلات الغناء الاوبرالي العالمي والتي تمتد طيلة شهر تموز( يوليو) من كل عام، كما توجد مجسمات لأقواس النصر الشهيرة، حيث كان الرومان يوطدون السلام من خلال انتصاراتهم في الحروب، وكانوا يحتفلون بذلك من خلال إقامة أقواس نصر.
لوحات مائية عن روما
صورة روما في القرن الماضي تكشف عن نفسها في الرسوم المائية للفنان( ارتورا رويسلر فرانس 1845- 1907) والذي توفي في مدينة روما من أبوين أجنبيين، اذ ان مجموعته التي حملت اسم ( روما المختفية) تمثل ثلاث مراحل، وكل مجموعة تحوي على أربعين لوحة مائية، وتتميز هذه الأعمال الفنية الرائعة.
والتي استقرت ملكيتها في الوقت الحاضر إلى بلدية المدينة، ان معالجاتها للموضوعات الإنسانية، صيغت لا كأشكال مجردة توضع في وسط طبيعة تشكل إطارا لها، بل إنها رسمت كعناصر من طبيعة المدينة نفسها، أي كعناصر متشكلة من فضاء واحد متجانس يتسم بالتحليل الدقيق للرؤية والملاحظة، بالوان متميزة تحمل تألقا وصفاء للحد الذي جعلها أكثر نفاذا ومحبة في القلب، لأن صانعها اتبع طريقة جديدة في عمله مبنية على نمط جديد في الرؤية يتمثل في الواقعية التي اعتبرها تجسيدا لكل ما يراه الإنسان.
وهي واقعية الإدراك المباشر، إلا انه لم يبتعد وهو ينقل الواقع المرئي عن إعطاء خلفية سياسية وهاجس اجتماعي، بل استطاع أن يلتقط بمستويات راقية الصفات الإنسانية، فرسم الشوارع والناس والبيوت القديمة، والأحياء القذرة، والمعديات والعربات والنصب النحتية كأشياء نمطية لروما القرن التاسع عشر، روما المعاناة والفقر والحسرة والجمال.
روما ظلت على وضعها الحالي بسبب الصدفة وحدها، ذلك أن العائلة الملكية (آل سافويا) حين جاءت من مقاطعة( بيومونتا ) الشمالية لتستلم مقاليد الحكم في البلاد التي توحدت عام 1870 بفضل القائد غاريبالدي، اتخذت هذه العائلة قرارها الشهير الذي ينص على ضرورة تغيير معالم العاصمة، وذلك بتهديم العيد من الأبنية القديمة، وشق الشوارع الجديدة، وإزاحة العديد من النصب التذكارية القديمة، كل ذلك داخل المركز التاريخي للمدينة العريقة، إلا أن القرار الملكي سرعان ما واجه معارضة قوية من قبل مجلس الشيوخ.
وظلت روما تحمل الصورة التي أرادها لها الرومان القدماء، أرصفة الشوارع الضيقة، والنوافذ الخارجية الكثيرة، والبيوت المزدحمة التي تميل إلى الخلوة العائلية، إلا أن ملكة العواصم بدأت منذ مطلع القرن الماضي بالاختناق نتيجة الزحف السكاني من الجنوب، ونتيجة بناء الضواحي حولها على شكل دائرة إسمنتية خراسانية، فقد قال عنها الكاتب الفرنسي أميل زولا (روما الجميلة تضيق عذابا نتيجة زحف الحواضر الجديدة).
إحدى القاعات خصصت لعرض مجموعة من النماذج المعمارية البلاستيكية المصغرة لأشهر المعالم التاريخية للمدينة، مركز روما القديم الذي يطلق عليه ( الفورو رومانو) مرورا بأقواس النصر الشهيرة وساحة نافونا التي يعتبرها العديد من نقاد الفن بأنها أجمل ساحات أوروبا، وخاصة النصب الرخامي الذي يتوسطها والذي يطلق عليه اسم( نافورة الأنهار الأربعة) حيث كل شخص من الأشخاص الأربعة الذين يحيطون المسلة الفرعونية، يرمز إلى أطول نهر في العالم وهي على التوالي، نهر النيل، نهر الكنجا، ونهر ريو ديل بلانا، والدانوب.
انصاب روما
نصب الجندي المجهول الذي يتوسط مركز المدينة، المسلات الرومانية الشهيرة والتي تعتبر إحدى مفاخر روما القديمة التي تم نحتها في زمن الإمبراطور تراجان، نماذج للمجسمات الشخصية، أولها مجسم الإمبراطور أغسطس، وآخر للإمبراطور تراجان، هنالك مجسم جميل لجزيرة ( تبيرينا) التي تعتبر من الأماكن التاريخية الرائعة الجمال وهي تقع وسط نهر التيفر، اذ تذكر المصادر التاريخية ان أهالي مدينة روما بنوا معبدا وسط النهر على هذه الجزيرة الصغيرة وكان على شكل واحدة من السفن الحربية الرومانية التي خاضت حروبا طاحنة مع القرطاجيين، تمثال لميخائيل انجلو، وقلعة سانتا انجلو( الملائكة المقدسة) وقبة الفاتيكان وعشرات غيرها من الروائع التي تضمها قاعات هذا المعرض الذي يحيي الذكرى ال 2751 لميلاد ام العواصم الأوروبية.
نافورة الأماني
يوجد نصب مصغر لنافورة الأماني التي يطلق عليها نافورة(الأماني) والتي أضاف إليها المخرج الراحل فردريكو فيلليني شهرة سياحية عالمية من خلال فيلمه (الحياة الحلوة) الذي أخرجه عام 1960.
موسى الخميسي


