يعتبر (نيقولاي فاسيليفتش غوغول) (1809ـ 2581) مفخرة ليس للأدب الروسي وحده، بل للأدب العالمي بشكل عام، فقد صارت (أمسيات في قرية قرب ديكانكا) (قصص بطرسبورغ) و(المفتش العام) و(النفوس الميتة) من كنوز الأدب العالمي.
صنف النقاد غوغول بصاحب «المدرسة الطبيعية» التي قدمت للعالم رموزاً وأعلاماً غير قليلين في أربعينات القرن التاسع عشر مثل(غيرتس- ايفان تورغنيف -غابتشيروف) وكانت هذه المدرسة تدعو عبر مبادئها الثورية إلى تواصل الأدب مع الناس، وتصوير حالة البسطاء، من خلال المضمون واللغة والأسلوب ففي عام غوغول اللغز لعل صفة «اللغز» اكثر ما يطلق على إبداع هذه الكاتب وقد تجلت هذه الصفة، في فرادة المآل الذي صار إليه غوغول بعد وفاته، وفي اطراد صيته العالمي وانعكاساً لحياته وصورة لخصائص طبعه السيكولوجي والروحي، وطريقة إبداعه.
عندما بلغ غوغول الثانية عشرة أرسل إلى مدرسة العلوم الرفيعة، وهي مؤسسة تعليمية عالية فتحت حديثاً في مدينة نينجن الصغيرة في ولاية «تشيرنيغوف» المجاورة. لم تكن علاقة غوغول بزملائه علاقة بسيطة فكانوا يسمونه بالغريب واللغز في تلك الأزمنة.
وقد أتيح لي أن أزور بيته الصيفي في مدينة أوديسا على البحر الأسود ذات يوم، وعلمت يومها أن هناك اعتقادا لدى أهل المدينة بأن الأرواح تسكن فيه، أو ربما روح غوغول نفسه تحوم في أرجاء البيت ولذلك فهو مهجور، فلا أحد يجرؤ أن يسكن فيه!! وجوهر ما يؤلف (لغز) غوغول هو أنه في ظاهره يبدو كاتباً بسيطاً جداً، بينما هو، في باطنه الخفي، معقد جداً. يجب أن يقرأ غوغول في غاية الاهتمام، ودون التوقف عند الموضوع والحدث، نافذين إلى أصغر الدقائق والتفاصيل.
النفوس الميتة
باستعراض حياة غوغول نجد أن سنوات طفولته قد تطابقت مع العصر البطولي للحرب الروسية النابليونية عام 1812. أما سنوات شبابه فقد لازمت وقت التحضير الثوري للحركة الديسمبرية. أما بروزه على الساحة الأدبية فقد جاء في مرحلة «الرجعية» كما أُطلِق عليها، مما شهدته من اضطهاد وتمرد وثورات.
إن بوشكين هو الذي أوحى إلى غوغول بموضوع الرواية، ألا وهو تناول وصف صفات الأرواح الميتة. كتب غوغول «النفوس الميتة» القصيدة-الرواية في أواسط القرن التاسع عشر (1835- 1842). وأساس موضوعها هو مغامرة أحد النبلاء، ويدعى تشيتشيكوف، الذي يشتري من ملاك الأقاليم «النفوس الميتة» أي الفلاحين الأقنان الذين لم تشطب أسماؤهم بعد من سجلات الأحياء. وتقود جولة تشتيشيكوف الاحتيالية إلى عالم نفوس أصحاب الأقنان ذاتهم الذين جعلهم غوغول الواقعي والساخر «أضحوكة للجميع»
معطف غوغول
يقول غوغول: «أعطونا شخصيات روسية، أعطونا شخصيات من عندنا، أعطونا ذواتنا. تقصّوا بلادنا المترامية الأطراف ما أكثر الطيبين ولكن ما أكثر ما يسم وجود الآخرين دون أن يكبح أي قانون جماحهم إلى المنصة. فليتسن لجميع الناس أن يروهم. فليهزأ بهم. آه. إن الضحك شيء عظيم ما من شيء يُخشى كالضحك» بهذه الكلمات عبّر غوغول عن واقع روسيا الاقطاعية، روسيا بإنسانها المسحوق، والظلم والفساد والتفشي فيها.
لقد استطاع «غوغول» بلغته الحية المستقاة من الواقع وأسلوبه البسيط والمثير، أن يجعل هذا المجتمع يضطرب من خلال كتاباته القصصية والروائية والمسرحية ونذكر منها «أمسيات قرية قرب ديكانكا-ميرغورد-المعطف-شارع نيفسكي-عربة-الأنف-الصورة-النفوس الميتة» و«مذكرات مجنون» التي تحولت إلى «مونودراما» وقدمت في كل مكان من العالم وفيها يدخل غوغول إلى العالم الداخلي للنفس البشرية من ناحية، ومن ناحية أخرى يدين المعايير الخاصة التي تصنف الإنسان وتجعله مجنوناً أو عاقلاً. ولعل قصة «المعطف» تعبّر عن عالم غوغول.
حيث يتوضح جانب السخرية والكوميديا اللذين ترافقا مع حالة إنسانية لموظف معدم بشكل شفاف لكوميديا الموقف. إنها قصة «أكاكي الحاكفتش بشماتشكين»، وهو موظف صغير في إحدى الوزارات، وإنسان محدود الأفق، لم يكن عمله يتعدى نسخ الأوراق في الليل والنهار، وذات يوم شعر أنه بحاجة إلى معطف يقيه البرد بعد أن اهترأ معطفه، ولم يكن هناك من سبيل لإصلاحه، فراح يقتصد ويقتر على نفسه حتى أتيح له أن يؤمن ثمن المعطف، فأوصى عليه، وغدا حلم حياته التي لم تعرف حلماً جميلاً داعبها يوماً.
ولما انتهت خياطته ولبسه لليوم الأول رأى الموظفون أن يقيموا حفلة على شرف هذا المعطف، فذهب أكاكي الحاكفتش إلى الحفلة مرتدياً معطفه الجديد، والفرح والزهو يملأن نفسه، وحين انتصف الليل ألح عليه النعاس، ولم يكن من عادته أن يسهر البتة، فرأى أن يعود إلى منزله، وفي الطريق اعترضه بعض اللصوص فضربوه، ونزعوا عنه معطفه الجديد وتركوه طريح الأرض وهربوا، وحين صحا إلى نفسه كانت دروب من الألم والعذاب تنتظره، من جري وراء اللصوص، إلى الاستنجاد بالشرطة، إلى البحث عن المعطف. حتى انتهى به الأمر إلى أن يطلب وساطة أحد الوجهاء «ذوي النفوذ» لكن هذا لم يأبه به، بل عنفه وطرده، فعاد أكاكي إلى فراشه مريضاً محموماً يهذي بمعطفه واللصوص، وبالوجيه حتى لفظ أنفسه.
قال دوستويفسكي عن هذه القصة «لقد خرجنا جميعاً من معطف غوغول». لقد فتحت قصة المعطف باباً جديداً في الأدب الحديث، فأتيح للناس أن يقرأوا أدباً متأثراً بهذه النزعة، أدباً يعنى بالإنسان ويجلّ إنسانيته ويقدسها.
رجل المسرح
على الرغم من أن المسرح الروسي كان ولا يزال في طور التأسيس في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلا أن الاهتمام الجماهيري كان منصباً على متابعة العروض الأولى في العديد من الصالونات والأسواق العامة.
وفي بداية حياته اهتم غوغول بشكل مباشر بالمسرح، وتعددت مهامه المسرحية. بدءا من الإخراج المسرحي انتهاء بصنع ديكور المسرحية وهذا يدل على نشاطه بحال المسرح الذي كان هاجسه الأول. وبغية تحقيق التكامل ما بين الشكل المسرحي التقليدي والمضمون الواقعي، انطلق غوغول في كتابة مسرحيته الكوميدية الأولى «فلاديمير من الدرجة الثالثة» وفيها يقوم بتعرية الجهاز البيروقراطي في بطرسبورغ. ولكنه اضطر للتوقف عن الكتابة لضرورات رقابية لم تقنعه. ثم كتب مسرحية «خطوبة» عام 1833 و«بعد عرض مسرحية جديدة».
وقد ظلت فكرة مسرحية فلاديمير من الدرجة الثالثة قائمة في ذهنه إلى أن أوحى له بوشكين بفكرة المسرحية الأشهر «المفتش العام» (1836) وقد نشرت ومثلت في نفس العام. وفيها يكشف غوغول بشكل رائع الفساد في الهرم الوظيفي للبنية الحاكمة والعليا في روسيا القديمة. فالمحافظ وأسرته، وموظفو المدينة الصغيرة، اضطربوا بفعل شائعة وأمر ملتبس يرتعشون أمام موظف وزاري صغير وتعيس، يظنونه مفتشاً عاماً قدم من العاصمة. وبمقدور المفتش أن يعّري عدم جدارتهم وحقارتهم وفسادهم.
ولكن (العصابة) تنجح في اجتذاب (خليستاكوف) الذي يمضي في لعب دوره إلى منتهاه، فتغدق عليه الحفاوة وتطارحه زوجة المحافظ وابنتها الغرام، ويزوره موظفو الإقليم الواحد تلو الآخر، يتحفونه بالرشاوي، وفي النهاية يغادر البلدة محملاً بالغنائم في نفس اللحظة التي يصل فيها مسؤول البريد إلى بيت المحافظ وقد احتجز في يده رسالة كان (خليستاكوف) قد بعثها إلى أحد أصدقائه، وتكشف الرسالة علناً رأي (خليستاكوف)الصريح في كل منهم على حدة.
فيما كانت العصابة، بكامل أعضائها تستمع إلى قراءة الرسالة وهي تتحمل في انسحاق الإهانات اللاذعة التي تنهال عليها والاحتيال الذي تشعر بأنها ضحيته وقبل أن يفيق الجميع من هول الصدمة يتولاهم رعب جديد يجمدهم في أماكنهم إذ يباغتهم وصول المفتش الحقيقي من (بطرسبورغ) يدعوهم للمثول بين يديه على الفور. وقد حل في الفندق.
لقد استخدم غوغول الضحك كوسيلة لفضح الواقع وكشف عيوبه وإبراز كوميديا الشخصيات الاقطاعية حتى سماه البعض بأنه أكثر أدباء روسيا الذين استطاعوا أن يضحكوا من خلال الدموع. لقد استطاع غوغول أن يعري النظام البيروقراطي الاستبدادي من خلال تشريح روسيا القيصرية. وقد حضر القيصر مسرحية (المفتش العام) معلقاً أمام الحاشية بروح رياضية مترفعة: «لقد نال من الجميع، وأنا أكثر من سواي بقليل».
نصائح بوشكين
قرر غوغول عام 1835 أن يتبع نصائح «بوشكين» وأن يضيف مزيداً من البلاغة على التحليل اللاذع الذي خص به أدبه الروائي بنقله إلى المسرح. لم يكن بعد قد أتم السابعة والعشرين، ولكن وعيه بات واضحاً لضرورة خلق مسرح يواجه المسائل القومية. وبالتالي ساهم في تعميق واقعية بوشكين النقدية.
د.وانيس باندك

