عندما نقرأ رمزاً شعرياً مستلاً مِنَ التاريخِ، سنكشفُ قِناعَ الرمزِ وأبعادَه الدِلاليةَ وإضافاتِ الشاعرِ الفكرية والفنية والرمزية وهوَ ما يتجلى في قصيدةِ (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) للشاعر أمل دنقل
ما من شك إن حياة الأدباء الشخصية تنطوي على الكثير من الأسرار والخصوصيات والمفارقات، وإذا كانت كتاباتهم تعكس، ضمناً، شيئاً مما خفي من تلك الحياة؛ فإن مذكراتهم التي يضعونها في آخر المطاف، هي الصحيفة الأخيرة لسجل طويل من سنواتٍ متداخلة حافلة بالمثير والمدهش والخفي والسري؛ فلحظات الكتابة الأخيرة هي مركز الاعتراف الفادح! وهي الصورة الأكثر وضوحاً لملايين الساعات القلقة التي تسمى «الحياة». مصر في عيون «أمينة» النساء عصبٌ مهم في حياة الأدباء والمثقفين والمفكرين، كما هي عصب الحياة الشخصية للسياسيين، وربما نحتاج إلى وقت طويل ومساحة أكبر كي نثير هذه الموضوعة بجمالياتها الإنسانية وإثارتها العاطفية بين المتخيل والواقعي في كتابات الأدباء.
وبلا شك فإن الكثير من الروايات والقصص تركت الأثر الجمالي في داخل المتلقي لبلاغة وجود المرأة فيها وبرمزها العاطفي الاجتماعي مرة والسياسي مرة أخرى، كما فعل نجيب محفوظ في معظم رواياته ذات البُعد الواقعي، وتبرز في هذا المقام صورة لا تنسى للأم المصرية النادرة التي أتقن محفوظ تقديمها بملامح واقعية ثرية بالمعاني الفنية، وهي صورة «أمينة» الزوجة المطيعة، الوفية، المخذولة، الصابرة، المستسلمة، التي استوعبت على مدار عمرها نزق زوجها «سي السيد» ذلك الرجل العجيب بمكوناته الاجتماعية والنفسية والسلوكية الغريبة...أمينة التي استلّها محفوظ من زحام الحارات المصرية وصاغها بمهارة واقتدار، هي صورة الأم المصرية الشعبية النادرة التي تقف خلفها مكونات أخلاقية واجتماعية إيجابية، أفصحت بدقة متناهية عن طبيعة المرأة المصرية التي تقف خلف الرجل، مستسلمة ومصغية بكل حواسها إلى صوت العقل الذي لم تتخلَ عنه؛
بمعنى إن محفوظ اقترب من روح المجتمع عبر المرأة ـ الأم التي كثيراً ما تتوازن في لحظات الخطر الاجتماعي وما يتركه من أثرٍ في طبيعة العلاقات اليومية، كما توازن بين حضورها وغيابها؛ وبين خروجها من إطار الصورة لفعلٍ ما أو تهميشها كلياً لأمر تدركه هي بحاسة الأنثى التي تشم الخطر من مسافات بعيدة.
عائشة البياتي
تتردد «عائشة» كثيراً في شعر الراحل عبدالوهاب البياتي، وهي شخصيته المركزية التي يتخطى بها الواقع ويصل إلى الرمز الكوني الذي يبحث عنه في كل شعره، وقوة عائشة وبقاؤها يتأتى من قوة القصيدة التي يكتبها البياتي، حيث تنبعث هذه المرأة دائماً بين سطوره وتفرض اسمها بين القصائد الكثيرة التي كتبها الشاعر.
وربما ديوانه «بستان عائشة» خير ما يمثل ولعه بهذا الاسم. وعائشةُ البياتي هي رمز الخصب والنماء والعطاء، أي هي عشتار السومرية التي ظلت وما تزال عبر القرون سيدة ملاحم ما بين النهرين، وهنا يعيد البياتي هذه المرأة إلى الواقع بكل تفريعاته ومكوناته المعاصرة عبر قناعها الصريح، فتتجول بين التواريخ والأزمنة؛ فمرّةً هي عشتار البابلية أو السومرية ومرة هي سمير أميس الآشورية، وقد تكون إحدى زوجات الفرعون خوفو، لكنها بالنتيجة ليست إلاّ عائشة حبيبة عمر الخيام.
في فكر البياتي فلسفة مؤداها أنّ المرأة هي حواء ثم هي إبنة حواء. والمرأة هي هي وإنْ بدّلت إسمها وتبدلت أدوارها في الحياة سواء أكانت كليوباترا المصرية أو الإمبراطورة الروسية كاترينا أو الملكة البريطانية فيكتوريا..فمهمتها الأساسية إعادة دورة الحياة بالإنجاب. ابنة الطبيعة تعيد الطبيعة البشرية باستمرار، تلعب وتعيد دور الأم.
زرقاء اليمامة
التوظيف التراثي في الشعر العربي المعاصر أخذ مداه الفني الواسع عبر تجربته الواسعة منذ قرن من الزمان، والقناع الشعري صورة من صور التعبير الفني الذي يختفي خلفه رمز أو رموز، وهو ما يتيح الحرية للشاعر أن يتحرى واقعاً سياسياً أو اجتماعياً بالنقد الصارخ، وبدءاً فإن «زرقاء اليمامة» فتاة عربية جميلة كانت عيناها أجمل ما فيها، وكانت تَرى بِهما الأشياء من خلال مسافات بعيدة جدا.
والناس يعجبون من قوة نظرها، فلم يصدقوها، حتى دنا الأعداء الذين كانوا يختبئون خلف شجرٍ مقطوعٍ واستباحوا قومها وسملوا عيني زرقاء اليمامة..زرقاء اليمامة في الواقع امرأة حقيقة وفي القصيدة قناع وهو ما يتمثله أمل دنقل في مجمل شعره، هذا القناع خرج من توصيفه الواقعي إلى بعد قومي أكثر شمولية، فزرقاءً اليمامة أصبحت في قصائده عرافة مقدسة، يبثها شكوى الضياع الذي آلت إليه الأمة العربية، ولأنها أصبحت عمياء (في الواقع) فإن الإشارة الرمزية هي (عماء) الأمة التي لا تريد أن (تبصر) واقعها رغم النكبات الكثيرة التي مرت عليها.
شجرة الدر
لا شك إن الأديب جرجي زيدان اعتمد التاريخ العربي والإسلامي مرجعيته الأساسية في كل رواياته التاريخية، ومن هذه الروايات «شجرة الدر» الشخصية الحقيقية في التاريخ؛ لكنه حولها إلى أسطورة روائية من خلال دراسته لحياتها الدقيقة وصعودها السريع إلى سدة الحكم، بعد إن كانت جارية من جواري الملك نجم الدين، ويقال إنها جارية تركية أو شركسية و رومانية، لكنها لم تكن كباقي الجواري، بل تميزت بالذكاء الحاد والفطنة والجمال كما أنها نالت الإعجاب بفتنتها وفنها، إذ كانت متعلمة، تجيد القراءة والخط والغناء.أعجب بها الملك نجم الدين وأحبها واشتراها ولقبها بشجرة الدر وحظيت عنده بمنزلة رفيعة، بحيث أصبح لها الحق في أن تكون المالكة الوحيدة لقلبه وعقله، وصاحبة الرأي ثم أصبحت الشريكة الشرعية وأم ولده.
هذه الشخصية الحقيقية التي حكمت مصر لاحقاً وبعد سلسلة أحداث مرت بها، تعامل معها جرجي زيدان كوثيقة جاء بها التاريخ إلى دفة روايته، فتعامل مع الحالة التاريخية كواقعة، لكنه اهتم بالخيال الروائي الذي يضفي على الشخصية الواقعية سماتٍ جمالية، ربما لم تكن شجرة الدر موصوفة بها، فولدت «شجرة در» ثانية تماهت كثيراً مع الشخصية التاريخية، غير إنها افترقت عنها بالتفصيلات اليومية التي ابتكرها جرجي زيدان، وجعل منها ملكة تمشي على ماءٍ رقراقٍ تارة، وعلى صفيح ساخن تارة أخرى، متتبعاً الأحداث التي وقعت إبان حكمها، ناسجاً منها احتمالاتٍ متعددة الوجوه، لذلك فالرواية كتبت عن شجرة الدر الأصلية، لكنها / في الرواية / تفوقت عليها تماماً، وهذا الخيال الروائي هو الذي يمسك الوثيقة التاريخية بيد، ويكتب عما لم يدونه التاريخ بيد أخرى.
نساء الواقع.. ونساء الكاتب
غابرييل غارسيا ماركيز وضع كل حياته في كتاب أسماه «عشتُ لأرويها» ولم يكفهِ ما أصدره من روايات في الواقعية السحرية التي استلهمت كل أحداثها من الواقع الكولومبي المعقد، بل انتهى إلى أن يقول ما لم يقله في رواياته الخارقة التي وضعته في صدارة روائيي العالم.وفي هذه المذكرات الجميلة التي كتبها ماركيز يطلق حكمته الأثيرة :«الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يرويه» وهنا يتذكر ويروي ويحكي بسلاسة الخبير العارف في محطات كثيرة وكبيرة في صيرورته الأدبية والحياتية، ولعل محطة «المرأة» من المحطات البارزة في حياة هذا الأديب الشهير؛ فحواء، على مختلف تجلياتها، حاضرة في النشأة والتكوين، من الصبا إلى الشباب إلى الرجولة، أماً وأختاً وحبيبة وزوجة وعشيقة وعمّة وخادمة، بعيدة وقريبة، هامشية وفاعلة، ظلاً وإطاراً.
ولو لم يكن ماركيز هو صانع حياته على نحوٍ ما، لما استطاع أن يتجرأ ويعترف ويكتب ببصيرة نافذة ووعي استثنائي لسنوات غارت في الذاكرة، لكنها تركت بصماتها جليّة على كل ما كتب من روايات.ففي حياة ماركيز حشد من النساء اللواتي تباينت أدوارهن في تكوينه الأول واللاحق؛ لكن الصورة الأكثر وضوحاً في حياته هي أمه «لويسا سانتياغو» أما الأخريات فقد وُضعن في طريقه لترميم ذاكرته بالعجيب من الأحداث والغريب من المواقف، حتى تحولن إلى أساطير روائية وقصصية حافلة بالحكايات التي لا تنسى.
لوثيا
النساء في حياة ماركيز كثيرات. وهنّ نساء عاديات في المجتمع، لكن ماركيز يصف منهن الأقرب إلى ذاكرته، والأشد تأثيراً في سلوكه الطفولي لاسيما الخادمات والعمات والجدات اللواتي كانت لهن أدوار يومية في التأثير عليه «بين الكثيرات اللواتي أتذكرهن كانت لوثيا هي الوحيدة التي فاجأتني بخبثها الصبياني..أما الأخريات فكنّ يبدون ملائكة طاهرة فقد يحمّمنني بينما هن يستحممنَ.
أما شون فكانت واحدة من الخدم ومن الشارع. جاءت من بارنكاس مع الجدين وهي لا تزال طفلة، كان لها لون هندية جميل. وكانت تمضي حافية القدمين يرافقها موكب كلاب وديعة وصامتة، تدور من حولها في تقدمها.وقد انتهى الأمر بضمها إلى فولكلور القرية..ومن النساء اللواتي يحتفظ لهن ماركيز بذكريات ما هي ترينيداد إبنة أحد العاملين في البيت، كما أن هناك العمة ماما ـ فرانشيسكا سيمودوسيا ـ جنرالة القبيلة التي ماتت عذراء .
وهي في التاسعة والسبعين، وللعمة وينفريدا حضور خاص وكذلك الجدة ترانكيلينا أسرع النساء اللواتي عرفهن تصديقاً وقابلية للتأثر فقد كانت ترى إن الكراسي الهزازة تهتز وحدها.أما مينمي «فلم أتوصل إلى التعرف على ميمي الجارية الغواخيرية التي جاءت بها الأسرة من بارنكاس وهربت في ليلة عاصفة مع أخيها المراهق أليريو، وكانت قشتاليتها العويصة مثار دهشة الشعراء «أما العمة «با» «فقد رأيتها آخر مرة وهي في التسعين من عمرها تقريباً ومعها حقيبة تلميذ؛ مرتدية ملابس حداد وعمامة من قماش أسود، دخلت سعيدة بذراعين مفتوحتين وصاحت بالجميع : إنني آتية لأودعكم، لأنني سأموت!» وغيرهن من النساء...
السياب... الحب من طرف واحد
بدر شاكر السياب حالة شعرية خاصة، بل حالةٌ حياتية أكثر خصوصية، فقد ولد ومات فقيراً، ومرّ بأدوار مختلفة في حياته، ورغم عمره القصير الذي قضاه في المستشفيات والأمراض المستعصية، إلا إنه سجّل له ولشعره ولحياته المعذبة حضوراً باهراً ندر إنْ حظي به شاعرٌ مثله من قبل.خصوصية السياب تأتي؛ فنياً؛ من كونه رائداً للشعر الحر في وقتٍ كانت فيه قصيدة التفعيلة تأخذ مساحات شاملة من المشهد الشعري العربي.
كما إن حياته العليلة لفتت الانتباه إليه من كونه حالة حياتية نادرة لشاعرٍ كُتب عليه أن يعيش معذباً وجائعاً وفقيراً تكتنف جسده الأمراض الفتاكة، وهو صاحب الإحساس المرهف الذي عاش في بيئة جنوبية من العراق، كانت كل تفصيلاتها توحي بالشعر والجمال والرهافة؛ ولم تكن قريته «بقيع» إلا جنةً مكتظة بالنخل والأشجار والظلال والأعناب والخوخ والتين والأنهار والعصافير والبط والسواقي ونهر «بويب» الصغير الذي صنع منه السياب أسطورة شعرية لا يستهان بها.
بين كل هذا كان الشاعر يزداد رهافة، وتتفتق موهبته عن جديدٍ شعري؛ فيزداد تعلقاً بالحياة؛ وما تستقيم الحياة إلا بامرأة تنبثق من النهر بأجنحة من ضوء وتحط في قلب الشاعر؛ لكن المرأة تكون عصية في كثير من الأحيان ومستحيلة، ومن هذه الاستحالة التي أخذ يدركها السياب، باتت المرأة عقدة شخصية للشاعر، فلم ينفع الشعر العذب في استدراج المرأة إلى قلبه.
بل تفاقم الصدود والجفاء، فقد تبحث المرأة عن شكل وسيم قبل أن تبحث عن كلمات الغواية، والسياب لم يكن وسيماً، بل كان شكله مُنفراً : جسد نحيل أخف من نفحة ريح، أذنان طويلتان، أنف يشبه المنقار، وشكل لا يعجب النساء في خلاصة الأمر، وهو ما جعله يشعر بعقدة النقص إزاء الجنس الآخر، لكن «الشاعر» فيه نفرَ من هذه العقدة، فأحبّ وعشق وصرخ بين النخيل لهذه المرأة أو تلك، لكن ذاك الحب كان يتم من طرف واحد.. وكنا في كل مرة نكسب القصائد الرائعة لشاعر قال ذات يوم معترفاً بهزيمته العاطفية : «أحبيني... فكل مَن أحببتُ قبلكِ ما أحبوني.»
حياة أولى
عاش السياب حياة صاخبة بالعذاب منذ طفولته،ابتدأت بموت أمه وهو في السنة السادسة من عمره، فافتقد الحنان مبكراً، وبعد وفاة أمه انتقل إلى كنف جدته التي وجد في أحضانها العطف والحنان، وكانت تروي له الكثير من الحكايات الأسطورية التي وظّف الكثير منها في قصائده،، إلا أن جدته هذه سرعان ما توفيت وظلت صورة والدته في مخيلته، كان يجدها في وجه كل فتاة يقابلها فيهيم بها، وكان دائم البحث عمن تعوّضه الحب والحنان فتعرّف على الكثيرات.. لكن دون جدوى.
نساء السياب
«كان عمري كله انتظارا للمرأة المنشودة، كان حلمي أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة» هكذا كتب السياب ذات مرة وعندما ذاع صيته كشاعر وهو في بغداد، أخذت الطالبات يقبلن على قراءة دواوينه، وكان أحد دواوينه يتنقل بين صدورالطالبات فكتب متحسراً : (يا ليتني ديواني لأفر من صدرٍ إلى ثاني) وكانت الراعية (هالة) هي أول امرأة خفق لها قلبه وأحبها، وحين تحول إلى عشق فتاة ثانية، وُصفت بالجمال وكانت تلك الفتاة «وفيقة» التي عرفناها في قصيدته الشهيرة «شبّاك وفيقة»؛ثم احب ابنة الجلبي وكان «بيت الجلبي» وهو أحد باشوات البصرة، وكانت ابنته فتاة جميلة كان يراها السياب وهو مار بزقاق يؤدي لمسكنها، فكان يتغزل بها ويهيم بحبها من طرف واحد كما هي العادة.
ولكنه كتب أجمل الأشعار من هذه الملهمة ابنة الباشوات التي تركت في روحه صدى عميقاً،وفي دار المعلمين العالية في بغداد وقع في حب فتاة بغدادية أخذت حظها من العلم والمعرفة ولها فوق ثقافتها جمال باهر وكانت (نازك الملائكة) صديقة (لباب) التي أحبها الشاعر من جانب واحد وكانت ذكية وجميلة جدا وكان أهلها يوصونها أن تعبس عندما تسير لكي لا يطمع الآخرون بملاحقتها وقد أعرضت عن كل الذين خطبوها. وطبعاً كان حظ السياب ضئيلاً..ثم تعرّف على الشاعرة (لميعة عباس عمارة) في دار المعلمين العالية، وكانت بداية علاقة ذات طابع سياسي ولكن ـ كعادته ـ وقع في حبها لأنها كانت من اخلص صديقاته، وقال فيها قصائد كثيرة. ومما قاله:إني ذكرتكِ يا لميعةُ والدجى ليلٌ وأمطارُ..
ويتعرف الشاعر على الكاتبة البلجيكية (لوك لوران) وقد وعدته أن تزور قريته جيكور فكتب فيها ولها قصيدة تعد من أروع قصائده الغزلية...وشاء حظه أن يلتقي بمومس عمياء اسمها (سليمة) فاكتشف من خلالها عالم الليل والبغاء واكتشف أسرارا غريبة فكشف صورة صادقة لما كانت تعانيه هذه الطبقة من الناس، فكانت قصيدته الرائعة (المومس العمياء) التي صوّر فيها الواقع الاجتماعي آنذاك وواقع المرأة بصورة خاصة. والسياب هنا يهتم بالمرأة كواقع اجتماعي، كإنسانة مقهورة تعاني كل أنواع الاستلابات، وصور علي نحو مؤثر وواقعي معاناة المرأة في المجتمع المتخلف. وبعد تخرجه من دار المعلمين العليا تعلق باليهودية مادلين.ثم تعلق بالممرضة اللبنانية الجميلة ليلى وهو على سرير المرض.
تزوج السياب إحدى قريباته، وهي السيدة (إقبال) التي ما تزال على قيد الحياة، وأنجبت منه (غيداء وغيلان وآلاء) ولمّا أصابه المرض كانت مثال المرأة الصابرة، وقال فيها قصائد كثيرة وحمل اسمها (إقبال) أحد دواوينه.
ألزا وعيون ألزا
لوي أراغون وألزا تريوليه اسمان لقصيدة واحدة..كلاهما مبدع في الحياة، وكلاهما عاشق حد الموت..هذه الـ «ألزا» الروسية التي حوّلها أراغون إلى قصيدة خالدة ورمزاً من رموز الشعر العالمي، هي الملهمة الكبيرة لرجل عشق الشعر وركب بحره العميق، دون أن يخطر على باله ذات يوم، إن امرأة ستغير مجرى الشعر فيه إلى مجرى دفاق من عشقٍ إنساني غريب، لم يُسجل مثله في حياة الأدباء من قبل.. وبالتالي غيرت نظرته إلى الشعر، بوصفه عاطفة إنسانية كبيرة، لها من العمق الوجداني والإنساني ما غيّر نظرته كلياً إلى الشعر كونه وسيلة أدبية تتكثف فيها المشاعر الجمالية والإنسانية في لحظة من لحظات الكتابة التي تجتاحه حمّاها بين الحين والآخر.
اكتشف أراغون إن القصيدة هي : ألزا.. فتصاعدت فيه حمى الشعر إلى حد عجيب، وتحولت المفردات بين يديه إلى أقباسٍ من وهج عاطفي لا نظير له، وتعرف على هذا الكائن القادم من سماوات مجهولة، لتتحول عجينة الشعر بين يديه إلى عجينة حب كبير اختلطا ببعضهما، فصار من الصعب أن تعرف من هي ألزا ومن هي القصيدة! التقى أراغون بالزا في عام 1928 وتزوج منها في عام 1939، ولدت الزا تريوليه في موسكو عام 1896 ودرست الهندسة المعمارية في بلدها الأصلي روسيا. ومن ثم حازت على جائزة «غونكور» الأدبية. وفي 16 يونيو من عام 1970 توفيت ألزا، وبناء على وصيتها تم دفنها في حديقة المنزل، رغم إن القوانين الفرنسية تمنع الدفن في البيوت إلا إنه استطاع أن يحصل على موافقة بذلك من السلطات المحلية.
نزار قباني محترف النوم في عيون النساء
ما إن يُذكر نزار قباني، حتى تُذكر المرأة معه؛ ولا تُذكر المرأة بمعزلٍ عن هذا الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بقصائده التي اكتسحت الشارع العربي، وولجت البيوت من الأبواب والنوافذ العربية ونزار قباني حالة شعرية ارتبطت بقضية المرأة ارتباطاً مباشراً، وعلى قلة مفرداته الشعرية، فإن قباني خلق من هذه القلة قاموساً «نسائيا » كبيراً، وجعل منه ثروة لغوية في الحب والغزل والعشق والجنس والثورة والتمرد.
لكن المرأة لم تعد مجرد «وسيلة» شعرية لجأ إليها الشاعر لتمرير قصائده الملتهبة، إلا إنه أرادها لاحقاً أن تكون وسيلة إدانة للأنظمة العربية، لاسيما بعد نكسة الخامس من حزيران، فخلط نزار قباني أوراقه الشعرية وبرز صوت «المعارض» السياسي الذي يرى إن واحداً من أسباب الهزيمة هو : اعتقال المرأة وكبت حريتها وجعلها جارية من جواري السلطان!
ما هي مشكلة نزار قباني مع المرأة؟ ما الذي جعله عنيفاً في «انتصاره» لحواء؟ ولماذا تطرف في دفاعه عنها إلى الحد الذي «تقمص» فيه صوتها وأحاسيسها ولغتها ومفرداتها، ولبس عنها ثوبها ووضع على شفتيه حمرتها وعلى وجهه ماكياجها؟! ما أثر المرأة في حياته أولاً وبالتالي في شعره؟ وهل ثمة معاناة «تكشف» لنا شيئاً من أسراره الشخصية؟ أسئلة الشك هذه يعززها قباني نفسه عندما قال ذات مرة : «لا أعرف لماذا اخترت المرأة والغزل موضوعاً أساسياً لفني، هناك أنواع من الضغوط الداخلية لا تعرف تفسيراً لها».
في البحث عن مؤثرات داخلية في حياة الشاعر، نجد صورة الأب هي الأكثر طغياناً في مسلكه الحياتي والشعري :«كان أبي إذا مر به قوام امرأة فارعة، ينتفض كالعصفور، وينكسر كلوح من الزجاج..».
وعن انتحار أخته وصال فيقول بشاعرية مؤثرة :«أنا من أسرة تمتهن العشق.. كل أفراد الأسرة يحبون حتى الذبح.. وفي تاريخ الأسرة حادثة استشهاد مثيرة سببها العشق.. الشهيدة هي أختي الكبرى وصال، قتلت نفسها بكل بساطة وبشاعرية منقطعة النظير لأنها لم تستطع أن تتزوج حبيبها.. صورة أختي وهي تموت من أجل الحب محفورة في لحمي..» وربما كان هذا الحاث ذا أثر مهم في حياته المبكرة، وهو يشهد انتحار أخته؛ أو مقتلها كما قال مرة في زلة لسان لاشعورية!
ابنة حواء
فكر البياتي فلسفة مؤداها أنّ المرأة هي حواء ثم هي إبنة حواء. والمرأة هي هي وإنْ بدّلت إسمها وتبدلت أدوارها في الحياة سواء أكانت كليوباترا المصرية أو الإمبراطورة الروسية كاترينا أو الملكة البريطانية فيكتوريا..فمهمتها الأساسية إعادة دورة الحياة بالإنجاب. ابنة الطبيعة تعيد الطبيعة البشرية باستمرار، تلعب وتعيد دور الأم.
وارد بدر السالم


