للتفاح روح نابضة، والتجاهل لروحه إخلال بالعقد الضمني، واحتكام إلى القوة أو السيادة التي تبرر التصرف بالطبيعة وما فيها كما لو أنها مأمورة برغبة العابث بها، حيث الكل يتساوون فيها.
للتفاح حضور جلي بين بقية الفواكه، إنه متعدٍّ لاسمه وهو السريع الهضم، السريع العطب. وبخلاف بقية أشقائه وشقيقاته من الفواكه، تكون منزلته استثنائية، سواء في ملمسه أو هشاشته أو تنوع الاهتمام به وتوظيفه رمزياً.
يا لتفاحة آدم، يا لتفاحة حواء، يا للوسيط الجمالي الذي يجمع بين يدين يغويهما التفاح بالمصافحة وما بعدها. لكأن التفاح وهو في يسر تحصيله، سهولة تبديد أثره، قادر على لعب ذات الدور في الفصل والوصل بين القلوب.
على قدر نعومته وطراوته وحلاوته المطلوبة، وطريقة قضمه، يأتي الإيقاع التفاحي بالحواس واقعاً. الإيقاع بالحواس في علاقة مرئية وتقديرية كهذه، يقوم على مبدأ اللا تكافؤ، إذ تتجاوز الحواس خاصية المحسوس هنا وهي لا ذنب لها في ذلك قطعياً، إنما تكون هي ذاتها محكومة بمن يسوسها بكليته: العقل، فتوقع به من جهتها!
إن الملمس الناعم والبرَّاق لسطحه يكاد يتطابق مع داخله المشبَع بالعصارة المائية والاستجابة السريعة للهضم، ولعله بذلك يكاد يخلص في العلاقة بين شكله ومضمونه، إذ إن مجرد تعرضه لخدش ما سرعان ما ينتقل الأثر إلى بقية الأنحاء، معبّراً عن حساسية مضاعفة ووحدة الخارج والداخل. إن مساً بسيطاً بجلده لحظة تقشيره يؤدي في التو إلى إصابة ما يليه وهو شبيه البياض، أي اسوداد اللون. إن تنفسه مذ كان داخليٌّ حصراً، وأي تعريض للهواء يؤذن بنهايته، بقدر ما يظهر مدى تضامن باطنه مع ظاهره، فالنعومة والهشاشة وجهان لحقيقته، والهشاشة استثنائية هنا باعتبارها ميزة ذوقية وصحية، كما هي الحساسية اللافتة لرقة الجلد المحسوسة.
ثمة ما يلهم في التفاح دونما تفسير أحياناً كما يعلم الشعراء بأمره والفنانون من جهتهم، وربما الذين أرَّخوا له في عمق التاريخ انطلقوا من صفاته التي يتضمنها ملمساً وتذوقاً وسرعة التحول إلى عصارة هاضمة.
التفاح ليس للنظر إنما للتأمل، شريطة عدم إطالة العلاقة، وكأنه في كليته ومن خلال المعرَّف به وما فيه، يترجم خاصيته الكبرى، يحفّز على ضرورة تدقيق النظر والنفاذ إلى الداخل واكتشاف العبرة دون تلكؤ، حيث إنه يملي شروطه على الناظر إذا ما كان طالب حكمة معينة «تفاحية» المنشأ، وإلا فإن العلاقة القائمة وهي في لهفتها تنقلب سريعاً إلى نقيضها، من خلال تغير ملحوظ في الشكل واللون وحتى الرائحة والطعم، وكيف أننا نحن البشر نسقط عليه وهو في وضعه هذا الكثير من مشاعرنا وإيقاع أحاسيسنا وحتى تصوراتنا وأفكارنا ناسين أو متناسين الفارق بيننا في كل شيء، غير مدركين أن صفة الشهية التي تشير إليه لابد أن تُراعى من خلال منبته وإخلاصه له!
نعم، ربما هو مبدأ التفاحة والذي يترجِم بنيته الطبيعية، أو أن طبيعته هي التي تقدمه دونما مقدمات، استناداً إلى علامته الفارقة في التكون وانقضاء الأجل، إذ يستحيل الفصل بين أي جزء فيه وبقية الأجزاء، حيث إن حساسيته تلك تحدد له سرعة زواله، كيف أنه يغور نحو الداخل، وتلك طريقته الطبيعية في الحياة الموت.
لعل التفاح هنا يتطلب على الأقل بعضاً من الوفاء لجماليته الموحَّدة التي يمكن أن تتحفنا بالكثير مما هو روحي وفي لحظة خاطفة كما هو الإيقاع الضوئي المارق في العتمة، ولذلك التناغم الذي يرفض المساومة على بعض فيه من أجل الكثير، لأن منطقه هو منطق الوحدة، وأي «بعض» أو جزء منه أو«كثير» فيه، مقحَم عليه، وكون التعامل معه وفق ذائقتنا يسيء إلى منطق العلاقة، ويضعنا في مواجهة ما نستمر في تجاهله مع سواه، ونحن نحيل الأشياء وما يميّزها إلينا، الأمر الذي ينزع عنا صفة الكونية التي نزعم أننا حريصون عليها وهي التي تعدم الحدود بين الكائنات، والتفاح روح نابضة، والتجاهل لروحه إخلال بالعقد الضمني.
واحتكام إلى القوة أو السيادة التي تبرر التصرف بالطبيعة وما فيها كما لو أنها مأمورة برغبة العابث بها، حيث الكل يتساوون فيها! لهذا يبقى سر التفاح فيه بقدر ما يبقى التفاح تفاحاً وليس ما نسِب إليه من أوصاف تعنينا لا شأن له بها لاختلاف المكانة والوظيفة أو الأداء، كونه مجسّد فعل الومضة، فعل الذائقة المشع والمتواري تباعاً، حيث ينغلق التفاح هذا على سره بينما يمضي ذوو النفَس الطويل والعمر الطويل نسبياً مقارنة بعمره في إبقائه ماثلاً أمام أبصارهم خارج مألوفه، خارج ما يعنيه، مجردين إياه من خاصيته المائزة، وما في ذلك من انحراف عن المقصد وتحريف للحقيقة، ووقوع في مطب التأويل وكأن ما كان تفاحاً لم يكن موجوداً، شأنه في ذلك شأن الكثير مما يقع في متناول أيدينا وأنظارنا وأسماعنا، وما في الإجراء هذا من إخلال بمبدأ التوازن الكوني في عمومه!
إبراهيم محمود
