تعتبر منطقة معرة النعمان في الشمال السوري غنية جداً من الناحية الحضارية، ففيها عشرات المواقع الأثرية، إضافة إلى ضريح شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري الموجود في مدينة المعرة نفسها، وإلى الشرق منها ببضعة كيلومترات، وبالتحديد في قرية «دير شرقي»، يوجد ضريح الخليفة الأموي العادل عمرُ بن عبد العزيز، الذي أطلق عليه بعض المؤرخين الخليفة الراشدي الخامس..
كان مكان الضريح في السابق رثاً مهملاً، ولكن مديرية السياحة في محافظة إدلب زرعت في السنوات الأخيرة اعلانات توضيحية باللغات الثلاث: العربية والإنكليزية والفرنسية تشير إلى مكان الضريح، وتقدمُ شرحاً موجزاً عن أهمية الخليفة عمر عبد العزيز التاريخية، وأهميته الإنسانية. وثمة لافتة مكتوبة باللغة التركية، اتضح أنها أضيفت من مدة قريبة، بسبب قدوم وفد رئاسي تركي لزيارة الضريح برئاسة ناظم أكرم نائب رئيس الوزراء التركي. غنمة خاصة بالخليفة يقول الإمام أحمد بن حنبل: إذا رأيتَ الرجلَ يحب عمرَ بنَ عبد العزيز، ويذكرُ محاسنَهُ، وينشرُها، فاعلم أن من وراء ذلك خيراً، إن شاء الله.هذه العبارة صحيحة للغاية بدليل أن أهالي قرية «دير شرقي» كلهم يحبون الخليفة عمر بن عبد العزيز ويذكرون محاسنه، مبتغين من ذلك الخير والبركة.
يقول السيد مصطفى، أحد سكان القرية: إننا نشكر الله لأن الخليفة عمر عبد العزيز موجود في قريتنا. فالمطر في قريتنا لا ينقطع، بينما القرى التي تقع بجوارنا تعاني في أكثر المواسم من المحل! ويضيف: إن بعض الناس يقولون بأن قريتنا واقعة ضمن الخط المطري، بينما القرى التي تقع إلى الشرق منها فتقع ضمن البادية، أي في منطقة التصحر. الحقيقة أن الله تعالى لا يحرمنا المطر بفضل هذا الخليفة العادل، وبركته. وكذلك البئر الموجودة داخل المزار، إنها لا تجف أبداً.من جهة أخرى ان من يذهب إلى مخفر الشرطة ويطلب كشفاً بالسرقات المسجلة في الضبوط سيجد أنه لا توجد سرقات في قريتنا! ترى هل كان يحصل هذا الأمانُ كله لولا وجود الخليفة عمر بيننا؟
ويروي السيد أبو أحمد من القرية ذاتها حكاية غريبة مفادها أن أحد الأشخاص خصص من قطيعه غنمة يوزع حليبها ومنتجاتها على الفقراء الذين كان عمر بن عبد العزيز يحبهم وينتصف لهم، وأسماها في سره (غنمة عمر). وفي يوم من الأيام حضر لص من قرية أخرى وسرق الغنمات.. وبفضل هذه الغنمة، وبركتها، استطاع رجال الشرطة القبض على اللص وأعادوا إليه غنماته.
نموذج للحاكم العبقري
إذا كان معظم المؤرخين يصرون على إطلاق صفة (الزاهد) على هذا النموذج التاريخي العظيم المسمى عمر بن عبد العزيز فهم أنفسهم يعددون من صفاته وتصرفاته ما يجعل منه حاكماً فذاً، شاملاً، تصلحُ شخصيته للتدريس في أعظم كليات العلوم السياسية المعاصرة، باعتبارها شخصية (ديمقراطية) من الطراز الرفيع، وشبه طوباوية، بمعنى أنها مستحيلة الوجود على أرض الواقع مرة أخرى.
في خطبته الأولى بعد توليه، أوضحَ عمر للناس، بصريح العبارة، أنه (ابْتُلِيَ) بالخلافة على غير إرادة منه! وأنه يتجرد منها أمامهم! وطلب منهم أن يختاروا مَنْ يشاؤون الآن ويبايعوه. فلما قالوا: اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك..
حدد لهم أهم مصدرين لحكمه المقبل، وهما الكتاب والسنة.. ثم طالب مَنْ يريد أن يصحبه بخمسة بنود: الأول أن يوصل إليه حاجات الناس، والثاني أن يعينه على الخير، والثالث أن يدله على الخير، والرابع ألا يغتاب أحداً أمامه، والخامس ألا يتدخل فيما لا يعنيه. ومن قبلُ، حينما أصبح والياً على «المدينة المنورة» في عهد الوليد بن عبد الملك، كان أول قرار اتخذه يتعلق باعتماده مبدأ الشورى أساساً في ولايته، ودعا كبار علماء المدينة وفقهائها، وجعل منهم مجلساً استشارياً دائماً.. وهذا ما فعله حينما تولى الخلافة، على نحو أوسع.
ومن طرائف فترة توليه المدينة أن الخليفة الوليد بن عبد الملك عقد لواء الحج في سنة 92 هجرية للحجاج بن يوسف الثقفي، وكان عمر بن عبد العزيز يكره الحجاج بسبب ظلمه للناس، فكتب إلى الخليفة يرجوه أن يوعز للحجاج بعدم زيارته في المدينة، فكان له ذلك.
حاكم صنعته النبوءة
إن والدة عمر بن عبد العزيز هي أم عاصم ابنةُ عاصم بن عمر بن الخطاب. ولعل هاجس العدل الذي كان يلازم ابن الخطاب جعله يرى في المنام أن رجلاً من سلالته ينتمي إلى بني مروان يحمل في وجهه علامة (شجاً) سيخرج في وقت لاحق، يسير بسيرته، ويملأ الأرض عدلاً.
بقي الناس يترقبون ظهور هذا الرجل إلى أن جاء يوم كان الفتى عمر بن عبد العزيز بصحبة شقيقه «الأصبغ» فرمحته بغلة رمحة قوية شجت جبينه وأنفرت الدم منه، فأخذ أخوه يضحك ويقول: الله أكبر! هذا هو أشج بني مروان الذي تنبأ به جدي عمر بن الخطاب الذي يملك ويعدل. حينما ولي أمارة المدينة، ومن بعدها الخلافة، انقلب إلى العدل والزهد والورع وتقوى الله في مسؤولية الناس. وهذا يعني أن هاجس العدل الذي تنبأ به جده ابن الخطاب كان نبراساً له طيلة أيام حكمه، ودافعاً للخير.
ماذا فعل عمر
يمكن القول، باستخدام اللغة المعاصرة، إن عمر بن العزيز أقام (ثورة) شاملة ضد الظلم والطغيان، وأرسى قواعد العدل و(الديمقراطية)!
فعدا عن إصراره على إحداث مجالس الشورى في البلاد، وإرساله الرسائل إلى الأمصار يسألهم إن كانوا راضين عن توليه، كان عمر بن العزيز أول من نصح الخليفة الوليد بمنع عماله من القتل، واقترح عليه أن يجعل هذه العملية معقدة لا تتم إلا بموافقة من الوليد نفسه، وقال له وجهاً لوجه: إنه ليس بعد الشرك بالله إثمٌ أعظم من الدم!
بدأ عمر العدل بنفسه، فأخذ سيف أبيه المرصع بالفضة، اقتلع منه الفضة وأورد ثمنها إلى بيت المال، وردَّ فص خاتمه الذي أهداه إليه سليمان إلى الخزينة بعد أن عرف أن مصدر ثمنه هو مال الشعب! ورد الحقوق المسلوبة إلى أصحابها، بادئاً ببني أمية أنفسهم، وكان يكتفي باليسير من البينات في رد المظالم، وأمر بعزل جميع الولاة الظالمين، ورفع الظلم عن الموالي، وعن أهل الذمة، وأقام العدل لأهل سمرقند، وحرص على تنفيذ قاعدة حرية الاعتقاد، وكانت سياسته حيال النصارى واليهود تلتزم بالوفاء بالعهود والمواثيق وعدم التضييق عليهم، وفتح باب الهجرة لمن يشاء.
هاجس العدل
وصل هاجس العدل والإنصاف في عصر بن عبد العزيز إلى حد منع الناس من نخس الدابة بالحديدة، وإثقالها باللجام، وحدد حمولة البعير بستمئة رطل، بعدما علم بأن البعض يحملونها الجمال ما لا تطيق!
خطيب بدلة


