في ظل انتشار ثقافة الحوار مع الغرب (الحوار مع الآخر) التي ينادي بها متنورو العرب، كما لو أننا مطلع القرن العشرين حين ظهرت شخصيات مثل محمد عبده بحثت في التنوير، يرفض فريق كبير الغرب برمته ويدعو إلى العودة إلى صدر الرسالة الإسلامية ويرى إن سبب تأخر المسلمين هو عدم معرفتهم بأمور دينهم. ويخشى أن أصحاب هذا الاتجاه اختاروا العزلة ورفضوا التبادل الثقافي مع الغرب والحوار مع الآخر بشكل مطلق.
إن السجال القائم اليوم ليس فقط بين غرب وشرق (جغرافياً) بل هو سجال بين جاليات إسلامية كبيرة تعيش في الغرب وتحديداً في القارة العجوز حيث تصطدم ثقافة إسلامية متجذرة مع ثقافة مسيحية مفتوحة على احتمالات كثيرة، والمشكلة الأكبر ستكون في فهم القانون بمصدره الغربي المستمد من الوقائع والدولة الحديثة، بينما ترى الجاليات (معظمها) ان الشريعة الإسلامية مصدر القانون، ومن يستطيع التوفيق بين الرؤيتين الأوروبية والإسلامية يستطيع العيش بسلام مع الآخر.
إن إحدى المعضلات التي تواجه تركيا وتحول دون دخولها إلى الاتحاد الأوروبي ليست قضية الأكراد فقط، بل انضمام أكثر من سبعين مليون مسلم إلى القارة التي أعادت إنتاج كتب ابن رشد واستفادت من تراث كبير في الحضارة المشرقية بشقيها الرافدي ـ الفرعوني والإسلامي التنويري المتسامح. مما قد يحدث خللاً في بنية الجغرافية التي دفعت أكثر من أربعين مليون شخص ثمناً لحربين كونيتين لن تعود إليهما بأي حال من الأحوال.
إذاً لماذا تطرح أوروبا فكرة التقبل والتسامح وترسل البابا إلى الشرق في عدة زيارات منذ صعوده الكرسي البابوي قبل أربع سنوات، ولماذا تنظم المنتديات والمؤتمرات الحوارية طالما لن تتقبل تركيا بوضعها الإسلامي (رغم علمانيته) في حين قبلت بلداً مثل صربيا (متشدد سلفياً)! أم إن السؤال: ما هو المطلوب مشرقياً لتقبل المسلمين في المجتمعات الغربية؟ أم السؤال الأهم هو هل يتغير مسلمو أوروبا ليتساووا مع أقرانهم أمام القانون بكل أطيافه!
أسئلة كهذه مطروحة اليوم أمام العالم أجمع ولكنها أوضح في العينة الأوروبية وجالياتها لأنها الأقرب والأكثر تأثيراً، ولعل الحوار بين الأطراف الإسلامية أولاً قبل الحوار مع الغرب، هو المفتاح للتصالح معه ثقافياً، حيث الرؤية المشتركة لطبيعة الحوار بين الأطراف الإسلامية (بكل أطيافها) سيؤدي إلى فهم لطبيعة متسامحة قبل التكفير والنبذ والتخوين.
