«كيف جرى استعمار فرنسا من قبل إمبراطوريتها»؟ إن الإجابة على هذا السؤال تشكل موضوع كتاب «الثقافة الاستعمارية في فرنسا، منذ الثورة الفرنسية حتى اليوم».
وذلك من خلال تحليل تأثير الإيديولوجيا الاستعمارية في صياغة الواقع الوطني الفرنسي نفسه، أي أنه كتاب «يعكس» منظور البحث المألوف المتمثل في البحث بتأثير الإيديولوجيات الاستعمارية في صياغة واقع مستعمراتها.وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تدور حولها تحليلات الكتاب في القول إن مختلف الأنظمة الفرنسية التي تجد تعبيراتها في العهود الملكية أو الجمهورية أرادت أن تنشر لدى المواطنين الفرنسيين ثقافة استعمارية هدفها تبرير الفتوحات والتمدد الاستعماري.
الثقافة الاستعمارية المقصودة وجدت أصداءها في السينما والمسرح والرياضة والمدرسة والأدب والصحافة والفنون والإعلان والغناء وبالطبع الجيش واللجان الاستعمارية والمعارض. يتم في هذا الكتاب التمييز بين ثلاث مراحل لتشكل الثقافة الاستعمارية في فرنسا وتطورها. تغطي المرحلة الأولى سنوات 1871-1931، وهي فترة ظهور الثقافة المعنية. وتتم هنا العودة إلى أصول الجمهورية الفرنسية الثالثة، وتحديداً إلى مطلع عقد السبعينات من القرن التاسع عشر حيث أراد «الجمهوريون» أن يثبتوا لليمين القومي الفرنسي ولعموم الفرنسيين أنهم قادرون على توسيع حدود فرنسا كي تشمل مناطق أخرى. وترافق آنذاك مفهوم «الفرنسي الجيد» بأن يكون «استعماريا».
والمرحلة الثانية يتم تحديدها بسنوات 1931-1961. وقد شهدت تلك المرحلة ما تتم تسميته بـ «أوج الثقافة الإمبريالية» وفي الفترة التي كان يمكن فيها أن يتولى فيها وزير المستعمرات رئاسة رابطة حقوق الإنسان دون أن يرى أحد في فرنسا بذلك تناقضا صارخا. ومن الملفت للانتباه أن القوانين القائمة على التمييز حيال الجزائريين وأحداث قسنطينة عام 1945 وقمع انتفاضة زنجبار عام 1947، أمور كلها جرى تقديمها في إطار المنطق «الجمهوري». وما يتم عليه التأكيد في هذا السياق هو «وجود تباين كبير بين تاريخ جرى تلبيته رداء الأسطورة وبين قراءة واقعية للأحداث».
المرحلة الثالثة تخص «الثقافة ما بعد الاستعمارية» خلال سنوات 1961-2006 والتي استمرت فيها الثقافة الاستعمارية بالتواجد رغم أن الاستعمار بمعناه التقليدي كان قد بدأ بالتلاشي وحيث كان استقلال الجزائر عام 1962 منعطفاً رئيسياً في مسيرة التحرر الوطني من الاستعمار.
المراحل الثلاث المذكورة في مسيرة تشكّل الثقافة الاستعمارية في فرنسا يتم تقديمها من خلال فصول خمسة يحتويها الكتاب وتعنى تباعاً بالمواضيع التالية: «تشكّل ثقافة استعمارية» و«كسب الرأي العام» و«الذروة الامبريالية» و«نحو حقبة ما بعد استعمارية» ثم أخيراً «زمن الموروثات».
ويتم التركيز في هذا السياق على فترة بداية سنوات الستينات من القرن الماضي، أي غداة استقلال الجزائر وعدد من المستعمرات الفرنسية في إفريقيا. لقد جرى آنذاك «الانتقال» دون «مرحلة وسيطة» من حقبة «زمن المستعمرات» إلى حقبة أخرى وعالم آخر يخص «زمن ما بعد المستعمرات».
شكّل ذلك الانتقال «صدمة» لم يكن مرئية في حينها بفرنسا، لكن هذا لا يمنع واقع أنها كانت صدمة أساسية من حيث «الممر التاريخي» الذي مثّلته وباعتبارها كانت إعلانا عن مرحلة جديدة.
ويتم توصيف تلك الفترة أنها كانت «منعطفاً» في تاريخ فرنسا وتاريخ الجمهورية، فبين ليلة وضحاها كان ينبغي تغيير محتوى العديد من الكتب المدرسية خاصة في حقل التاريخ ومن الخطاب المستخدم حيال ما عُرف بمقاطعات ما وراء البحار، بل كان ينبغي تغيير طريقة التفكير بالعلاقات مع العالم الخارجي. باختصار برز «الشرخ الاستعماري» عميقا واستمر فاعلاً في التاريخ الفرنسي،.
كما أظهرت النقاشات التي عرفها شهر فبراير-شباط من عام 2005 حول التعديل الخاص بالبند الرابع في الدستور حول تقييم الحقبة الاستعمارية وبحيث يتم في التعديل المقترح التأكيد على «المظاهر الإيجابية» للاستعمار في الكتب المدرسية.تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن النقاشات «الحامية» التي عرفتها قبة البرلمان الفرنسي كما خاضت غماراتها كل وسائل الإعلام والمحافل، إنما كانت في الوقت نفسه نقاشات حول «الهوية الوطنية» الفرنسية. لكن بنفس الوقت دفعت تلك النقاشات إلى الواجهة إيديولوجية الانتماء «الفئوي» أو الطائفي.
ومن أهم ميزات هذا الكتاب هو أنه يقدّم على مدى ما يزيد عن 700 صفحة مظاهر الثقافة الاستعمارية في فرنسا بكل دقائقها اعتبارا من عام 1870 وحتى عام 2006. ويبيّن المؤلفون كيف كان الفرنسيون باستمرار موضع اهتمام ثقافة استعمارية موجودة في كل ما يحيط بهم بواسطة السينما والأدب والفن بكل تعبيرات هذه المشارب كلها. ولكن أيضا عبر وسائل تعبير مثيرة للدهشة أكثر مثل طوابع البريد وألعاب الأطفال وإعلانات الدعاية، حيث يتم مرارا التعرض لذكر الإعلان الذي يبدو فيه أحد الأفارقة السود وهو يحتسي بنهم بالغ كوبا من الحليب مع مسحوق الكاكاو من ماركة «بانانيا».
وهذا كله في سبيل إثبات «تشرّب» الفرنسيين بفكرة الإمبراطورية، الأمر الذي يجد تعبيره البليغ في «المعرض الاستعماري الأول» بالقرب من باريس عام 1931، تجدر الإشارة إلى أن «الملصق الإعلاني» لهذا العرض هو الذي جرى اختياره ليكون على الغلاف الأول للكتاب.
الكتاب: الثقافة الاستعمارية في فرنسا منذ الثورة الفرنسية حتى اليوم
تأليف: باسكال بلانش وآخرون
الناشر: المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ودار نشر اوترومون باريس 2008
الصفحات: 755 صفحة
القطع: المتوسط
Culture coloniale en France
Pascal Blanchard et
CNRS- Autrement
8002 siraP
755P.
