كرة القدم هي إحدى أكثر الرياضات شهرة وشعبية في العالم، وهي تعبئ حولها المشاعر الوطنية والقومية. لكن كرة القدم هي أيضاً وسيلة للنضال من أجل الحرية، هذا ما يؤكده شوك كور، الأخصائي الدولي بسوسيولوجية الرياضة وأبعادها الثقافية، في كتابه الذي يحمل عنوان «أكثر من مجرّد لعبة».
في هذا الكتاب يروي المؤلف تلك التجربة الفريدة التي خاضها عدد من السجناء السياسيين والمناضلين من أجل الحرية في جنوب إفريقيا عندما كانت تعاني من نظام التمييز العنصري «الابارتهايد». أما المكان فهو جزيرة «روبن ايسلاند»، سيئة الذكر حيث كان نلسون مانديلا قد أمضى 18 سنة من حياته سجيناً في أسوأ الظروف وأقساها في أسوأ سجن في العالم.والكتاب له مناسبة وهي عودة نلسون مانديلا لزيارة تلك الجزيرة، بعد أن كان قد أمضى سنوات في سدة الرئاسة ببلاده جنوب إفريقيا. لقد أراد أن يحتفل بعيد ميلاده التسعين في ذلك المكان الذي أمضى فيه سجيناً أغلبية سنوات شبابه، وحيث كان قد نال لقب «أقدم سجين في العالم». كما أراد بنفس المناسبة أن «يحتفل» ببنية رياضية كانت قد ساهمت بقسط كبير خلال سنوات الاعتقال في جعل السجناء قادرين على المقاومة من أجل البقاء.
إنها الذكرى الأربعين لتأسيس تلك المنظمة الرياضية التي أنشأتها «جمعية ماكانا لكرة القدم» داخل قلعة السجن في جزيرة «روبن ايسلاند». وكانت الفيدرالية الدولية لكرة القدم ومجلس الإدارة الدولية للرياضة قد اعترفا «رسمياً» بهذه المنظمة الرياضية. ورغم جميع العقبات وعمليات التعذيب الدورية والتعرض للضرب المبرح ولإرغام السجناء على القيام بأشغال شاقة، استطاع أولئك السجناء أن يحوّلوا كرة القدم إلى قوة فعالية من أجل النضال لنيل الحرية.
هذا الكتاب يحكي قصة أولئك السجناء السياسيين، الذين كان السواد الأعظم منهم من أعضاء حزب المؤتمر الإفريقي المحظور، حزب نلسون مانديلا. ثم إن العديد من أولئك السجناء-اللاعبين تولوا فيما بعد مناصب عالية في حكومة بلادهم بعد سقوط نظام التمييز العنصري.
وكان شوك كور قد عثر على الوثائق الخاصة بنشاطات جمعية «ماكانا» الرياضية بمحض الصدفة عندما كان ينقبّ عن بعض الوثائق في الأراشيف المدرسية بجنوب إفريقيا. لقد وجد «تفاصيل مدهشة»، كما يقول عن «رابطة رياضية من عدة فرق». ويُنقل عن السجين ـ اللاعب السابق انطوني سوز قوله: «لقد لعبنا كرة القدم في جزيرة روبن بحماس شديد وكان ذلك بمثابة طريقة أخرى للمحافظة على البقاء».
بدأ السجناء يلعبون أولاً «فيما يشبه كرة القدم» داخل زنزاناتهم «سراً»، فالسجانون لم يكونوا يسمحون لهم بممارسة تلك الألعاب علناً. وكانت الكرات المستخدمة آنذاك مصنوعة من الورق والكرتون والأقمشة. واعتباراً من عام 1965 سمحت السلطات بعد أن جرت عملية ضغط مدروسة من قبل مجموعات موجودة خارج السجن، بممارسة السجناء للعبة كرة القدم في الخارج ويوم السبت فقط.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه جرت صياغة نظام داخلي للعب يتوافق مع الأنظمة المرعية في الفيدرالية الدولية لكرة القدم. وحيث قامت هذه الفيدرالية بإجراء «امتحانات تأهيل» لأولئك الذين كانوا يقومون بدور «حكام المباريات». كما كان اللاعبون الذين يلعبون بخشونة كبيرة يواجهون «المساءلة» من قبل «لجنة» مكلّفة بالانضباط وفرض «عقوبات» إذا استوجب الأمر ذلك. وما يتم تأكيده في التحليلات المقدّمة هو أن أولئك «المساجين» السياسيين قد «تعلّقوا حقيقة بكرة القدم».
ولكنهم أرادوا بنفس الوقت أنهم يستطيعون القيام بتنظيم نشاط ما وإدارته بشكل سليم وحتى بأبسط الإمكانيات التي بين أيديهم. وكان السجناء «الخطيرون»، أي المتواجدون آنذاك في قسم «معزول» ومن بينهم مانديلا ورئيس جمهورية جنوب إفريقيا السابق «تابو مبيكي» يتابعون تطور فرق كرة القدم ونتائج مبارياتها عبر «نظام تواصل سري»، بل ووجدوا طريقة لمشاهدة تلك المباريات من خلال بعض الكوات إلى أن قامت السلطات ببقاء جدار عازل تماماً.
يقدم هذا الكتاب بنفس الوقت نوعاً من التأريخ لتلك الفترة في مسيرة جنوب إفريقيا العنصرية من خلال ما عرفته بعض الشخصيات التي كان لها دور في «جمعية ماكانا» التي نظمت نشاط كرة القدم في سجن جزيرة «روبن». وعلى رأس تلك الشخصيات-الرموز «والتر سيسولو»، أحد الآباء المؤسسين لجنوب إفريقيا الحديثة وكان أحد مؤسسي رابطة شباب حزب المؤتمر الوطني الإفريقي. وكان قد جرى وضعه في سجن جزيرة روبن عام 1963، وتوفي قبل أربع سنوات.
وستيف تسويتي المتوفي عام 2002 وكان وزيراً للرياضة في ظل رئاسة نلسون مانديلا. وديكانغ موسينكي، رئيس قضاة المحكمة الدستورية اليوم بجنوب إفريقيا وكان أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية «ماكانا» حيث كان قد أمضى عشر سنوات في سجن جزيرة روبن.هذا الكتاب جرى تجسيده في فيلم وثائقي.
الكتاب: أكثر من مجرّد لعبة
تأليف: شوك كور مورفن كلوز
الناشر: كولينز نيويورك 2008
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
More than just a game
Chuck Korr, Morvin Close
Collins - N. Y. 2008
336P.

