لا يستطيع أحد في العالم العربي الادعاء بأنه قد تحقق للقراء فيه الإلمام ولو بالحد الأدنى من تطورات الحركات الأدبية في مختلف بقاع إفريقيا جنوب الصحراء، ومن هنا فقد يكون من الأهمية بمكانة متابعة أبرز ما ينشر في هذا الإطار، سواء أكنا نتحدث عن أصحاب الأسماء الكبيرة، الذين تألقوا على امتداد الساحة العالمية منذ عقود مضت من قبيل شينوا اتشيبي وولي سوينكا وأثول فوجارد وجي.إم كويتزي وغيرهم كثير أو كانوا وجوهاً جديدة تتقدم في إطلالتها الأولى على عالم النشر.

إلى هذه النوعية الأخيرة تنتمي الكاتبة بيتينا جابا من زيمبابوي، التي استقطبت اهتماماً عالمياً كبيراً مع إطلالة مجموعتها القصصية الأولى تحت عنوان «مرثية للاتجاه شرقاً» والتي تضم ثلاث عشرة قصة تدور أحداثها جميعها، باستثناء قصة واحدة، على أرض زيمبابوي، وتتحرك على امتدادها شخصيات تناضل هذا التضخم الهائل والبيروقراطية وكراهية النساء وغيرها من العناصر التي تجثم على حياة زيمبابوي، وتطبق على روحها.ويلفت نظرنا أن القصة البارزة التي تضمها المجموعة والتي تحمل عنوان «عند وقع الرحلة الأخيرة» تدور حول حضور أرملة أحد الوزراء لجنازة زوجها الرسمية، حيث تتأمل على نحو ساخر في كل شيء وقعت عليه أنظارها، حيث إن زوجها «راح ضحية مرض طال أمده، حسب أحد الاصطلاحات الرئاسية العديدة التي تعني الموت من جراء الإيدز» وهي تقول لنا: «هناك العديد من مثل هذه الأسرار في هذه البلاد..أسرار قد يعرفها الجميع، ولكن لا يمكن التفوه بها».

وتحفل كتابة جابا بمثل هذه الأسرار، حيث نلاحظ في قصة «شفتا عريس روزي الورديتان المتشققتان» أن ضيوف حفل الزفاف يرصدون مؤشرات إصابة العريس بالإيدز، وهم يعرفون حق المعرفة تاريخه الجنسي المشبوه ويتوقعون أن عروسه سينتهي بها المآل إلى الموت بالإيدز، ولكن أحداً منهم لا يخبرها بما ينتظرها.

وفي الكثير من قصص المجموعة، نجد أن الأزواج يحتفظون بـ «منازل صغيرة» لخليلاتهم، وخياناتهم لا يدور الحديث حولها، ولكن هناك إقراراً واسع النطاق بها وتوقعاً لها.

مراراً وتكراراً تكشف جابا، على امتداد المجموعة، نفاق مجتمع زيمبابوي، وغالباً ما تكون النساء هن الأكثر معاناة.

تدور قصة «الخادم من لالابانزي» على سبيل المثال، حول شابة تقدم على الانتحار، بعد أن نبذتها الدار التي أمضت عامين كاملين في خدمتها، وتقول عمة الراوية في عبارة دالة: «هذا هو ما يحدث عندما تحاول مساعدة هاته الفتيات».

ولكن جابا مهتمة بكل من أولئك الذين تعرضوا للظلم ومن قاموا بإيقاع هذا الظلم. ففي قصة «تسوية عبر التفاوض» تعرض بحساسية وجهتي نظر كل من الزوج الخائن وزوجته. وقصة «في قلب المثلث الذهبي» هي استحضار وجيز لحياة ربة بيت ثرية ومدللة تحيا في منطقة فخمة من العاصمة هراري، والصورة التي تقدمها لنا مؤثرة وواضحة المعالم.

ويلفت نظرنا أن المؤلفة قد أدرجت قصيدة لجين هارشفيلد كشعار دال في مفتتح مجموعتها والبيت الأول في هذه القصيدة هو «تزايد إعجابي أكثر فأكثر بالمرونة».

وعلى الرغم من ذلك، فإن الضحك يبدو لنا في هذه المجموعة باعتباره الشكل الوحيد للمرونة. وشخصيات جابا يمكن أن تتدبر أمورها، والمرح المتواتر في قصص مجموعتها هو الذي يجعلها قصصاً متميزة حتماً، حتى ولو كانت نهاياتها مأساوية. وهي قصص غالباً ما تتبدى لنا ساخرة، وغنائية بين الحين والآخر، لكنها جذابة وناجحة في معظم الأحوال.

وقد كان من الطبيعي أن تلفت مجموعة افريقية نادرة على هذا القدر من الجاذبية الأنظار إليها، وأن يبادر عدد من المبدعين البارزين إلى الإعراب عن إعجابهم بالكتاب ومؤلفته على حد سواء.

ها هو جي.ام.كويتزي الفائز بجائزتي نوبل وبوكر معاً يبادر إلى القول عن هذه المجموعة «تتراوح قصص بيتينا جابا بين السخرية الكاسحة من النخبة الحاكمة في زيمبابوي إلى الكوميديا الواقعية وصولاً إلى الصور الحساسة لألوان المعاناة التي يتعرض لها ضحايا النظام. وجابا كاتبة رائعة ونجمة بازغة في سماء أدب زبمبابوي.

وبدورها تقول الروائية الصينية الشابة ييونع لي: «في عصر تدفع فيه دفقات الأخبار التي لا تنتهي بأحداث مهمة إلى رحاب النسيان، فإن قصص بيتينا جابا تعد مهمة بصفة خاصة. وهي ببصيرة عظيمة ودفق من المرح والطاقة تقدم لنا عالماً على الرغم من اختلافاته عند النظرة الأولى إلا أنه ليس مختلفاً عن عالمنا، وآمال ناسه ومخاوفهم هي آمالنا ومخاوفنا وضحكاتهم ودمعاتهم هي ضحكاتنا ودموعنا. وجابا كاتبة جديدة وقوية وجدير الاحتفاء بها».

ويعرب الكاتب أوين شير عن اعتقاده بأنه في مجموعة «بكائية الاتجاه شرقاً» كتبت بيتينا جابا مجموعة مهمة وأمينة من القصص التي تضع يدها بصورة متوهجة بالحيوية على المآسي الشخصية لأبناء زيمبابوي في القرن العشرين من خلال ألوان ثرية تجمع بين الأصوات الساخرة والمعتمة والحميمية.

ويكتب جيمس لاسدون في مقال مطول بصحيفة «غارديان» اللندنية قائلاً: «الموت والكارثة»، بينما لا يتم تجاوزهما أبداً، تتم معالجتهما بمرح غير متوقع وعلى نحو ما نراهما في الحكايات الشعبية، وهذا جزء من الجاذبية الكبيرة التي يتمتع بها هذا الكتاب. وإحدى القصص، والتي تدور حول صانع نعوش عجوز يتخلى عن تقاعده ويواصل الرقص حتى الموت في أحد المراقص، تتمتع بمرح وحشي يذكرنا بقصص تشيكوف.

والقصة التي تحمل عنوان «الخادم من لالابانزي»، وهي قصة مدهشة بنيت في جانب منها لتكون سرداً لحكايات العديد من الفتيات الريفيات اللواتي تقوم بتشغيلهن وطردهن دار الراوية، تنثر ثروة من التفاصيل الاجتماعية الكوميدية، بحيث إن القارئ لا يدرك تمام الإدراك الوحشية الكامنة فيها إلا بعد أن تنتهي.وهذه القصص كلها تعتمد على السرعة والخفة في إحداث تأثيرها، متحولة إلى حياة قائمة بذاتها قبل أن تذوى.. وهذا كله يبدو صادقاً مع الطبيعة الجوهرية لقالب القصة القصيرة».

هكذا فإن القارئ يجد نفسه، وهو يقرأ هذه المجموعة، على موعد مع حشد من الشخصيات الإنسانية بلا حدود، القادرة على إيقاع الألم بالآخرين وعلى تحمله إلى أبعد الحدود، وهذه الشخصيات تتعامل مع قضايا كبرى مألوفة لكل الناس في كل مكان، ومع وعود لم تتحقق، وأحلام مجهضة، والحنين إلى شيء يجعلهم يرسون على شاطئ الحياة، وهي مجموعة جديرة بأكثر من قراءة حقاً.

الكتاب: مرثية للاتجاه شرقاً

تأليف: بيتينا جابا

الناشر: فيبر أندفيبر لندن 2009

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

Petina Gappa

An Elegy for Easterly

Faber and Faber

London 2009

240P.