يرى الباحث الفلسطيني الياس شوفاني أن مصطلح «أمن إسرائيل الاستراتيجي» يكتنفه الكثير من الغموض على المستوى الشعبي، وكذلك على مستوى النخب السياسية والأمنية، ولا يوجد تطابق في مفاهيم الذين يتحدثون عنه. ويشير إلى أن الكُتَّاب العرب- وبضمنهم الفلسطينيون- يخلطون بين مفاهيم الأمن بعامة والعقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي، فإسرائيل تشكل ظاهرة استيطانية فريدة، وبالتالي، فما يشكلُ أمنَها يختلف عما هو مألوف في أمن الدول القومية العادية.
ثمة مقولة ترد في صلب الفكرة الصهيونية مفادها أن «المسألة اليهودية» تتلخص في عدم قدرة اليهود، حيثما وجدوا، على الانخراط الكامل في المجتمعات البشرية حولهم، وأن الحل الأمثل لهذه المسألة يكون في هجرتهم وبناء «دولة قومية يهودية» لهم في فلسطين. (وهي مقولة خاطئة طبعاً، لأن «اليهودية» رابطة دينية وليست قومية).
على هذا الأساس اعتُبِرَت الهجرة اليهودية المستمرة إلى فلسطين ركيزة أساسية من ركائز «أمن إسرائيل الاستراتيجي». ولتحقيق هذا الأمن أُنشئت «المنظمة الصهيونية العالمية» التي احتضنت فكرة الهجرة، ومولتها، واتبعت جميع السبل من أجل ترجمتها إلى وقائع على الأرض،.. وفي سنة 1948 حقق المستوطنون اليهود، بقوة السلاح الذي أصبح بإمكانهم استخدامه في ذلك الوقت، الاستيلاء على الجزء الأعظم من أراضي فلسطين، في حرب أسمتها إسرائيل «حرب الاستقلال»، مع أنها، في الحقيقة، عملية عسكرية كبرى لنهب الأرض الفلسطينية وطرد أصحابها منها.
بعد تهويد الأرض جرى العمل على تهويد الشعب وتغيير الطابع الديموغرافي لفلسطين، ومن ثم تهويد السوق، أي بناء اقتصاد يهودي متكامل ومستقل يرتكز على «العمل العبري» و«السوق اليهودية» أي على مقاطعة العمل العربي والمنتوجات العربية، وقد أنشئت لهذا الغرض مؤسسات خاصة مثل نقابة العمال اليهود (الهستدروت) و«تعاونيات الإنتاج والتسويق»، وكلها تسعى إلى إخراج السكان الفلسطينيين من عملية الإنتاج بشكل كامل.
لقد بدأت دعوات زعماء أوروبا لليهود بالهجرة، وإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، من أيام القائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت الذي دعاهم إلى ذلك سنة 1799، وفي سنة 1840 وجه إليهم وزير خارجية بريطانيا اللورد بالمرستون دعوة مماثلة، جددها خلفه بلفور في سنة 1917، وبالطبع فإن دعوة بلفور كان لها طعم آخر، باعتبار أنها جاءت في الوقت المناسب.
والحقيقة أن المنعطف الكبير في العمل الصهيوني جرى على أرضية «الصهيونية الهرتسلية السياسية» التي ربطت المشروع الصهيوني بالمشاريع الإمبريالية الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، ثم عملت على ملاءمة أهدافها المرحلية وانحيازاتها وتحالفاتها مع القوى «الصاعدة إمبريالياً»، أو بالأصح مع القوة المنتصرة في كل حرب.
لا تختلف إسرائيل من حيث الجوهر عن القواعد العسكرية أو الثكنات التي أقامتها النظم الاستعمارية في أماكن مختلفة من العالم. وكان عليها أن تنتج جزءاً من مستلزمات القيام بالمهمة الموكلة إليها بنفسها، وهذا ما جرى التعبيرُ عنه بإنشاء «قاعدة إنتاجية» تابعة اقتصادياً للمركز الإمبريالي، إلى جانب الآلة العسكرية، وهي الركيزة الأساسية في البناء الذاتي للثكنة.
وفي الواقع، تسارعت «العسكرة» في إسرائيل بعد قيامها. فمع انحسار موجات الهجرة اليهودية الأولى إليها، بدأ المشروع الصهيوني يواجه أزمة فعلية في شقه اليهودي، فشرعت قيادتُه بتعزيز شقه الإمبريالي، عبر بناء الآلة العسكرية وتطويرها. ولأجل إقناع المراكز الإمبريالية، وعلى رأسها أميركا، بأن بإمكان إسرائيل لعب دور الشرطي في المنطقة، هبت للدخول في العدوان على مصر (1956)، ثم خاضت حرب الـ 67 بمفردها، بعد أن وفرت لها أمريكا السلاح والعتاد، الأمر الذي رفع مكانة الجيش الإسرائيلي في نظر الدول الإمبريالية.
وسنة بعد سنة، وحرباً بعد حرب، استمر التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل وأمريكا بالتزايد، حتى وصل المبلغ المعلن الذي تتلقاه إسرائيل من أمريكا للتسلح إلى خمسة مليار دولار.
عقد المؤتمر الأول لتقويم منعة الدولة اليهودية في مركز هرتسليا الإسرائيلي سنة 2000، وكان الدافع لعقده وجود إحساس لدى أوساط متعددة في إسرائيل يدعو إلى القلق من وجود أفكار قاتمة بالنسبة لقدرة إسرائيل على الصمود، وأنها تواجه في هذه الحقبة وضعاً شبيهاً بالمحطات الرئيسية السابقة في سيرورة هذا المشروع الاستيطاني الذي لا يزال في طور الإنشاء.
ويستخلص من الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية المنشورة أن العمل السياسي الإسرائيلي سيعتمد ثلاث ركائز في حركته المستقبلية، يمكن اعتبارها مرتكزات لأمنه الاستراتيجي الأعلى في المرحلة القادمة، وهي:
أولاً- تعزيز التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة من خلال الانخراط في حربها على ما يسمى الإرهاب الدولي (الإسلامي).
ثانياً- المساهمة العسكرية والسياسية الفعالة في تطويع دول منطقة الشرق الأوسط لإملاءات النظام العالمي الجديد الذي تسعى إليه أميركا.
ثالثاً- تأمين القاعدة الاستيطانية للمشروع الصهيوني في فلسطين، من خلال «حل» القضية الفلسطينية بالشكل الذي يمكِّنُ إسرائيل من أداء دورها الوظيفي في الاستراتيجية الكونية الأميركية، وتصفية البعد الفلسطيني من الصراع العربي- الإسرائيلي.
الكتاب: أمن إسرائيل الإستراتيجي
تأليف: الياس شوفاني
الناشر: دار الحصاد دمشق 2009
الصفحات: 296 صفحة
القطع: المتوسط
خطيب بدلة
