يبدأ كتاب « الثورة التكنولوجية والأدب » لمؤلفته فالنتينا ايفاشيفا بدراسة متأنية للاتجاهات الأدبية بعد الحرب العظمى الثانية.. وقد أوجزتها الباحثة في: ميل الكتاب للبحث عن أساس وثائقي لمؤلفاتهم، مع رواج الخيال العلمي وكتابه، وكذا رواج ما يسمى بالنثر الفلسفي نظرا للاهتمام بالتفكير الفلسفي. ولا يوجد سبب واحد لرواج كل ظاهرة من تلك الظواهر.
شهد النصف الثاني من القرن الماضي رواج الاتجاه الفلسفي في الأعمال الإبداعية. ربما بسبب التفكير في جملة المشاكل التي استجدت بسبب التقدم التكنولوجي. وإن لم يخل الأدب والفن من الاستعانة بالفلسفة من قبل، إلا أن تلك الفترة (بعد الحروب العظمى) وشعور «الإنسان» بالسأم والإحباط وعجز الإنسان عن معالجة التناقضات الاجتماعية من حوله، جعله أكثر ميلا للتأمل والتفكير، وطرح رؤيته في كتاباته. وربما يعد كتاب ألمانيا من أكثر الكتاب ميلا للتفكير الفلسفي.تعود الكاتبة فالنتينا ايفاشيفا بعد استطراد، تتابع نماذج إبداعية لبعض الأدباء، تعود وتقول: «.. من السذاجة أن نتحدث عن أسلوب أدبي موحد في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ أن الأدب العالمي رحب جدا، حتى أن أية محاولة لحصره في اتجاه واحد ستكون حصرا لا معقولا..».
ومع ذلك يمكن التقاط ملامح عامة، وربما مشتركة، كتبت بعد التقدم التكنولوجي الهائل، وانعكس ذلك على الأعمال الإبداعية، وبالملامح التالية: غلبة الاتجاهات الأدبية (السابق الإشارة إليها) من التوثيقية والخيال العلمي والتفلسف.. يحمل الأدب سمات أسلوب الحياة الجديدة بتأثير التقنيات المتقدمة، مثل ريثم الحياة المتسم بالسرعة المحمومة.. مع توقع الكتاب للقارئ الفطن الذي لا يحتاج إلى تفسير للعمل الأدبي المطروح.. وأصبح الأسلوب السردي أكثر إيجازاً.. مع توقع قدرة القارئ الفطن إلى التقاط خيط تداعى الكاتب عن أفكاره الذاتية المنطلقة من عقله الباطن.
وقد استشهدت الكاتبة بعدد من الروايات، مثل رواية الألماني «جونتر جراس» التي تتبع فيها أحدهم وهو جالس على كراسي طبيب الأسنان، فيتذكر سنوات ما قبل الحرب، وفي مشاهد متتالية يشير إلى جذور الفاشية، حتى كانت مشاهد الحرب نفسها.. وبينما يكشف عن الكثير من الأفكار، يخفى ويبطن تلك التي ترمى إلى نقد الآني والحاضر، أي عرض الماضي الذي تعتمه هموم وتناقضات حياة الحاضر.. وقد فهمه القارئ!
كما أشارت إلى الرواية الاسبانية «خلية نحل» لمؤلفها «كاميلو خوسيه سيلا»، ورواية الألماني «فولفجانج» المسماة «حمام على الكلأ».. حيث يتناول الكاتبان فيهما الحياة بعد الحرب.. حيث الحس الوجود والتشاؤم، مع رسم الصور والأطياف بدلا عن السرد التقليدي، بينما الشخصيات مرسومة بوضوح، وعلى القارئ أن يساهم في عملية الإبداع، ويكمل بنفسه ما يستهدفه المؤلف.
فيما تعمد بعض الكتاب النزوع إلى إبراز العقل الباطن، كما في رواية «نائب القنصل» للكاتبة «مرغريت دورا»، وكذلك المسرحية التي استلهمت منها، المسماة «أغنية الهند»..
وقد وصفها البعض بانتمائها إلى التعبيرية، والذاتية، وبصفة العصرية. بينما ترى الباحثة أن «مرجريت» ذات أسلوب يلمح ولا يصرح، قائم على الإشارة، والاقتصاد الشديد في الكلمات، فلا توجد هناك صفات تذكر، ولا أدنى محاولة لإبراز العلاقات الاجتماعية، ولا محاولة لتحليل العالم الداخلي للشخصيات..الخ. وعلى القارئ أن يصنع عالم الرواية/عالمه.
أما وقد انتهت الكاتبة من كتابها في عام 1978م، وتتوقع المزيد من التقدم التقني والتكنولوجي، وبالتالي الكثير من المتغيرات والتأثيرات على الأدب خلال الفترة التالية من القرن الماضي.. ونتساءل بدورنا: ماذا يمكن أن تكتب الآن وبعد مرور حوالي عقد من القرن الجديد مع ظهور التقنية الرقمية (الديجيتال) وقد بدأت بشائر «الإبداع الرقمي»؟
وقد بدأ ما توقعته جليا، عندما ختمت كتابها قائلة: «ان إمكانية عقدين من الزمان متبقيين على القرن الحادي والعشرين، إمكانية ضخمة، واليوم يصعب التكهن بأية متغيرات ستحدث خلالها. في هذه الآونة، يصعب التكهن بما ستجره هذه الاكتشافات في مجالي الأدب والفن».
الكتاب: الثورة التكنولوجية والأدب
تأليف: د.فالنتينا ايفاشيفا
ترجمة: عبدالحميد سليم
الناشر: الهيئة المصرية للكتاب القاهرة 2008
الصفحات: 345 صفحة
القطع: الكبير
السيد نجم

