منذ نشأته والرئيس محمد نجيب مرتبط ارتباطاً أبدياً بأرض وادي النيل بصفة عامة ومصر بصفة خاصة وكان يردد دائما أن الحرب الحقيقية لابد أن تكون في القاهرة ضد القصر والفساد وأعوانه .

لم يحظ حدث تاريخي في تاريخنا المعاصر بمثل ما حظيت به ثورة 23 يوليو 1952 من اهتمامات الكتاب والمؤرخين والمحللين. ولكن كثيرا مما سجل عن هذه الثورة بعيد عن الموضوعية والروح الحيادية بسبب الانتماءات المذهبية والعقائدية وانعكاس الميول والأهواء الشخصية إلى ما نشر عن هذه الثورة . فبينما حرص بعض من كتبوا على نفاق الحكام من أبناء هذه الثورة إلى الحد الذي جعلهم يعتبرون أن تاريخ مصر وكفاح شعبها من أجل حريته، إنما يبدأ فجر 23 يوليو 1952 متناسين ملاحم الكفاح الرائعة لأبناء مصر عبر السنين نجد أن البعض الآخر من هؤلاء حرصوا على التركيز على سلبيات الثورة، والتهجم بكل عنف وضراوة على قادتها وقراراتهم الثورية متناسين إيجابياتها وما حققته لمصر والأمة العربية من مكاسب عظيمة وإنجازات رائعة.

في هذا الكتاب للكاتب والمؤرخ د.رفعت يونان (محمد نجيب زعيم ثورة أم واجهة حركة؟) دراسة لشخصية اللواء محمد نجيب أول رئيس مصري من تراب مصر، حيث يرى د.رفعت أن الأقوال تعددت واختلفت الروايات في حقيقة الدور الذي لعبه محمد نجيب بالنسبة لحركة الجيش إلى الحد الذي ضاعت معه الحقيقة.

حيث إن موقف بعض الكتاب ووسائل الإعلام من محمد نجيب في عام 1952ـ 1953 عند بداية الحركة ثم موقفهم منه بعد تنحيته من منصبه في 14 نوفمبر 1954 هو مثال على مدى ما يسهم به الكثيرون بفضل الرغبة في نفاق الحكام وتغليب الأهواء الشخصية في تشويه التاريخ وخداع الأجيال القادمة، وعلى ذلك فأن مسئوليتنا نحن ؟ المعاصرين ؟ في كتابه التاريخ أن نروي الحقيقة دون أي تحيز أو تحريف.

يقول د.يونان : كان يوم 14 نوفمبر 1954 يوما مختلفا عن بقية الأيام في حياة الرئيس محمد نجيب، ففي هذا اليوم تحول من رئيس إلى معتقل ومن حاكم إلى سجين، ومن رجل يملك ويحكم دولة بأكملها إلى رجل لا يملك ولا يحكم حتى نفسه.

في هذا اليوم توجه محمد نجيب إلى مكتبه في القصر الجمهوري بعابدين، فوجد بعض الضباط من البوليس الحربي على باب القصر وتبعه اثنان منهم إلى المكتب فنهرهما بشدة، فقالا له إن لديهما تصريحا بالدخول من كبير الياوران بالنيابة الاميرلاي (العميد) حسن كامل الذي عين سفيرا فيما بعد.

والذي لم يكن حاضرا بالقصر لحظة وصول الرئيس نجيب وبعد مناقشة حادة خرجا من مكتب الرئيس. وفور ذلك اتصل نجيب بجمال عبد الناصر ليشكو له تصرف رجال البوليس الحربي الذي رد عليه بأنه سيرسل له عبد الحكيم عامر وبعد فترة قصيرة جاء عبد الحكيم عامر ومعه حسن إبراهيم وقالا له في خجل «إن مجلس قياده الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئيس الجمهورية» فقال نجيب : أنا لن استقيل الآن لأني بذلك سأصبح مسؤولا أمام التاريخ عن ضياع صلة السودان بمصر.

أما إذا كان الأمر إقالة فمرحبا لأنكم تعفونني من مسؤولية لم يعد يحتملها ضميري... وخرج محمد نجيب من القصر حاملا المصحف فقط من مكتبه، وقد أخبره عبد الحكيم عامر أن إقامته في المرج باستراحة السيدة زينب الوكيل لن تزيد على بضعه أيام يعود بعدها إلى بيته.

ولكن إقامته بالمرج استمرت حوالي 29 سنة تقريبا، لقد حزن محمد نجيب عند دخوله الفيلا في 14/11/1954 لأول مرة، منذ اليوم الأول لدخوله هذا المكان أحس أنه ألقى في الجحيم، فقد سبقه القائم مقام ( العقيد ) احمد أنور قائد البوليس الحربي إلى الفيلا، فوزع نقطة قوية من نقاط الحراسة حول السور وفوق السطح وفي الداخل وكان تسليح هذه النقطة قويا، مدافع رشاشة، قنابل يدوية، مدافع صغيرة، وكان أحمد أنور يتصرف كأنه يقود معركة حربية شرسة.

كما قام ضباط وجنود البوليس الحربي بتجريد الحديقة من أشجارها، والفيلا من أثاثها وحملت سياراتهم المطابخ والثلاجات والموبيليا حتى حلل الطهي، وفي تلك الساعة كذلك صادروا كل ما في بيت نجيب من أوراق وكتب ونياشين وتذكارات، وكل ما سمح به لزوجته وأولاده ثلاث حقائب بها ملابسهم الضرورية، وكان لابد أن يشعر اللواء نجيب بالحسرة والألم والحزن، ويبدو ذلك واضحا تماما في مفكرة جيبه التي وجدت بين أوراقه، والتي سجل فيها ما جرى له وما أحس به بعد اعتقاله، وذلك ابتداء من يوم الأربعاء 17/11/1954 .

ويخلص هذا الكتاب الذي جاء في سبعة فصول وخاتمة أن الرئيس محمد نجيب منذ نشأته وهو مرتبط ارتباطا أبديا بأرض وادي النيل بصفة عامة ومصر بصفة خاصة، حارب بشجاعة نادرة في حرب فلسطين من أجل الأمة العربية 1948.

كما كان يردد دائما أن الحرب الحقيقية لابد أن تكون في القاهرة ضد القصر والفساد وأعوانه، فكان نجاحه الساحق في انتخابات مجلس إدارة نادي الضباط في ديسمبر 1951 بمثابة المسمار الأول في نعش الملكية، وقد كان أول بيان لحركة يوليو يذاع باسم محمد نجيب في الساعة السابعة والنصف صباح 23 يوليو 1952 هو السبب الأول والأساسي في نجاح الثورة والتفاف جميع أسلحة الجيش وكل فئات الشعب حولها مؤيدة مباركة.

كما قاوم الإنجليز منذ نعومه أظافره، وأثناء عمله في السودان ومصر، فهو إنسان يستحق التبجيل والاحترام وقف بجانب الأصالة وتحلى بالأمانة شريفا في خصومته شجاعا في الحرب والسلم من أجل وطنه ومجتمعه والإنسان بدون إنسانية يتحول إلى صنم أجوف تتحكم فيه غرائزه وشهواته.

ويرى د. رفعت يونان أنه رغم كل ما حدث يجب أن نسجل في تاريخنا أن ثورة 23 يوليو حدث مهم قام وأتم دوره ولا يمكن محو صفحته ولا هدم آثاره.. هذه الثورة التي ساهمت في تغيير الدنيا من حولنا وفي تجديد شباب أمتنا العربية..

وغيرت في الداخل إلى غير رجعة شكل الهرم الاجتماعي، وأعطت الفئات المحرومة فرصة التعبير عن نفسها والدفاع عن مصالحها مع إقامة قاعدة صناعية حديثة، والآن نحن نعيش جو الحرية والديمقراطية ونعيد بناء مصر المعاصرة بصورة عقلانية متدرجة هادئة يجب علينا جميعا حكومة وشعبا، إن نقتحم القرن الواحد والعشرين من بوابة العمالقة بمزيد من الوعي ومزيد من العمل الجاد.

الكتاب : محمد نجيب زعيم ثورة أم واجهة حركة ؟

تأليف: د.رفعت يونان

الناشر: دار الشروق القاهرة 2008

الصفحات: 162 صفحة

القطع : الكبير

محمد الحمامصي