يعتبر الفنان كريستوف نيمان من أشهر فناني الرسوم المصورة في أميركا، حيث نشرت أعماله على أغلفة أكبر المجلات مثل «ذا نيو يوركر» و«أتلانتيك» الشهرية ومجلة «نيويورتايمز» و«أميركان إيلوستريشن». كما فازت أعماله بالعديد من الجوائز من كبرى معاهد الفن المختصة بالخط والرسوم المصورة، كما ألف كتابين مصورين للأطفال، «التنين الأليف» الذي يتعلم فيه الأطفال الأحرف الصينية و«غيمة الشرطة». وقد انتقل إلى برلين مع عائلته بعد أن عاش في نيويورك 11 عاماً.

وكما آلى المسافر الجوال ستيوارت لي ألن على نفسه، أن يدرس تاريخ القهوة التي شكلت قوة لا يستهان بها عبر التاريخ فضلاً عن ارتباطها الوثيق بالحضارات العالمية لنشر كتابه «فنجان الشيطان»، عمد الفنان الأميركي كريستوف نيمان إلى التعبير بالرسم والكلمات عن عشقه وشغفه الكبير بالقهوة، خلال ارتشافه لها في المقهى. وكما تحمل ستيوارت أنواع المشاق كافة وركب كافة وسائل النقل البدائية مثل الدواب والقوارب وغيرها، وشرب القهوة مع ذواقتها في مختلف بلدان العالم، فقد عانى نيمان بين الحين والآخر للحصول على الكوب الأمثل من القهوة. أحب القهوة كثيراً لدرجة أني أشرب الشاي على الإفطار: فكوب القهوة الأول في اليوم هو الأفضل، لذا أخشى أن لا أقدره وأستمتع به كما يجب إن شربته وأنا نصف نائم. وعليه فأنا أحتفل به بعد مضي ساعتين حينما أكون في صحوتي كاملة.

كنت في الخامسة من عمري حينما اكتشفت لأول مرة طعم القهوة، حينما أُعطيت بالمصادفة «كوز آيس كريم» بطعم القهوة. كنت في حالة لا جدوى للعزاء فيها: كيف يمكن للكبار أن يفسدوا شيئاً رائعاً مثل الآيس كريم بطعم القهوة الكريه؟ وبعد مضي بضع سنوات واجهت الأهوال ذاتها حينما قرر والداي قضاء عطلة الصيف مشياً على الأقدام في أحضان الطبيعة. في العاشرة كنت لا أزال أكره القهوة، لكني أغرمت بطقوس تحضيرها. وكان الوالدان ممتنان لإعدادي لهما قهوتهما الصباحية لدرجة أنهما تجاهلا صدامي الأول مع تكنولوجيا تخميرها. في السابعة عشرة كنت لا أزال أعاني من شيزوفرينا القهوة، إذ أحببت أجواءها ونفرت من طعمها. وقررت أن أعالج نفسي من خلال «العقاب الذاتي». وقد أخذني والداي خلال تلك المرحلة في أول رحلة لي إلى باريس. وصل بنا القطار في الصباح الباكر وتوجهنا مباشرة إلى مقهى صغير. طلبت قهوة بالحليب من الحجم الكبير وأجبرت نفسي على شرب الكوب بأكمله. ومن حينها بدأت أستمتع بالقهوة كثيراً كل يوم.

في الواحدة والعشرين من عمري عملت في مجلة. وكنت مع المدير الفني نعد ركوة كبيرة من القهوة في التاسعة صباحاً، لمساعدتنا على تمضية اليوم. كانت القهوة تغلي في جهاز إعداد القهوة، ومع تبخرها كانت القهوة تزداد كثافة بصورة ملحوظة فترة الغداء؟ وفي ساعات المساء كان ما تبقى من القهوة يتحول إلى مزيج أسود ذو رائحة نافذة وطعم كالقار.ومع ذلك كنا نحتملها دون أن ترمش أعيننا. قدمت إلى نيويورك عام 1995، وكنت سعيداً باكتشافي قهوة «ديلي». كنت حينها أركز على الكمية والسعر أكثر من الطعم. وفي كل الأحوال كنت في فردوس القهوة. في يناير 1999 أغراني صديق في التحول إلى اللاتيه «قهوة مع الحليب». وخلال أسابيع أنفقت جزءاً كبيراً من ميزانيتي في مقهى «إل كافيه» في ويلامسبورغ.

وهكذا سرعان ما أقنعني محاسبي الداخلي بشراء أحد آلات إعداد قهوة الاسبريسو (يعادل سعرها 10 أكواب كبيرة من اللاتيه)، ولها أنف تبخير لتسخين الحليب، الذي يجب تنظيفه بدقة بعد كل استخدام، ولم لدي الصبر لهذا العمل.

وبعد استعمالها بضع مرات، بدأت بعض العضويات البنية اللون بالانتشار حول فوهة الأنف. وبعد بضعة أيام لم يكن بالإمكان تنظيفها وعدت إلى شرب قهوتي في الخارج.

يظهر هذا الجدول خطوط قهوتي البيانية عبر السنوات كما أضفت أنواع الكعك المفضلة عندي لذات الفترة الزمنية. (1) القهوة المقطرة، (2) قهوة ستارباكس، (3) الكعك بالعنب البري، (4) الكعك بالسمسم، (5) الكعك بحبة البركة، (6) كل ما هو كعك.

أرجو أن لا تتخذ علاقتي السطحية مع كعك العنب البري دليلاً ضدي، فقد عالجت نفسي من هذا الانحراف. أطلب أكواب قهوة كبيرة، لكني أتوقف عن شربها عندما تبرد. وعلى الدوام يبقى في قاع الكوب عدة أونسات من القهوة، مما يمنعني من رمي الكوب في سلة المهملات. وأضيق من عبء الذهاب إلى الحمام لغسل الكوب والتخلص من باقي القهوة، لذا يوجد على مكتبي برج من الأكواب الورقية.

الحليب الساخن يجوّد من طعم القهوة، لكني أجد رغوة الحليب عديمة النفع ومزعجة. والدتي (التي تصنع أفضل قهوة في العالم) مهووسة بالأجهزة التي تصنع تلك الرغوة. والنتيجة طبقة مستعصية من الرغوة الكتيمة. وعلي أن أشق طريقي عبرها قبل أن أصل على القهوة الفعلية. وبصرف النظر عن الرغوة، فإنها تصنع أفضل قهوة في العالم.

وبعد يوم مضن لمؤتمر في الجامعة، دعيت إلى العشاء في مقر السكن. ومع الأطعمة الشهية والسلطات والمعجنات بأنواعها قدمت القهوة. وحينما تشعر بالعطش، تصبح القهوة أسوأ مشروب في العالم.

في نيويورك، أغبط دوماً هؤلاء الذين ما إن يدخلوا إلى المقهى حتى يبادر الشخص المسؤول الذي يعرفهم جيداً بإعداد قهوتهم حسب رغبتهم، من دون تبادل أية كلمة. تطلب مني الوصول إلى تلك المرحلة 10 سنوات من الزمن، وكان ذلك في الفترة الأخيرة من إقامتي في نيويورك، كنت أدخل إلى ركني الخاص في الشارع الثامن، وبإيماءة من رأسي كان المسؤول يعد لي قهوتي الخاصة، القهوة المقطرة مع الحليب.

وبعد مضي بضعة أسابيع مباركة، أخذت الأمور منحى آخر. ولسبب ما بدأ بإعداد قهوتي بصورة خاطئة (نصف بنصف وملعقتا سكر). كنت أعلم أني إذا صححت له المعايير، فسنفقد الصلة الغامضة فيما بيننا إلى الأبد. وهكذا ابتلعت القهوة بدلاً من كبريائي.

في الشرق فنون المقهى

ظهر هذا الفن في الشرق في أجواء المقهى، وصنف كفن فولكلوري، وتطور في أجواء الحكواتي الذي كان يسرد الأساطير والملاحم ويلقي الأشعار على الحاضرين في المقهى. بينما يجلس الفنانون المتواضعون بمفردهم يترجمون كلماته بما تصوره لهم مخيلتهم، مستندين في أسس رسمهم على أدوات وأسلوب الفن الصفوي الذي ازدهر في القرنين السادس والسابع عشر. ويمكن قسم هذا الفن إلى تيارين، الديني والملحمي.

في الغرب فنون القهوة

بدأ ظهور فن الرسم بالقهوة عام 1988 في كوستاريكا في مختبرات «كافيغرافيا» على يد الفنان سول بولانوس، الذي أعد تقنيات هذا الفن لتستخدم القهوة بعدة تقنيات تبعاً لحجم الحبيبات المطحونة ومقدار تحميصها وكثافتها في الغلي. وقد انتشر هذا الأسلوب من الفن وبات له رواده وعشاقه، وافتتحت له العديد من صالات العرض التي لها جمهورها من محبي الفن والقهوة معاً.

وقد توصل الفنان بولانوس بعد سنوات طويلة من التجارب إلى تقنيات في معالجة القهوة تختلف تبعاً لمادة الخام التي سيرسم عليها، فللحجر تقنية تختلف عن السيراميك وغير ذلك.

رشا المالح