بين العام 1995 وهو العام الذي شهد عرض مسرحية «أحلام مسعود» أول نصوصه المسرحية على عدد كبير من جمهور المسرحيين والناس العاديين، وبين العام 2009 وهو عام رحيله عن الدنيا، راكم الكاتب الراحل سالم الحتاوي تجربة مسرحية مثيرة ولها منحاها الخاص وتفرد اسلوبيتها.
تجلت تلك التجربة الإبداعية البارزة للراحل في المسرحية التي قدمها في الدورة الخامسة لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، وهو المهرجان الذي يعد محطة ولادة هذا الكاتب الذي خلد خلال دوراته المتتالية ذلك الأسلوب المنفرد، فكانت نصوص سالم الحتاوي لها اهتمام خاص من قبل المسرحيين.ولها متابعوها حينما انتشرت خارج الساحة المسرحية الإماراتية، بطلب من مسرحيين كويتيين وبحرينيين وعمانيين وقطريين ايضا، فنصوص الحتاوي كانت من بين جملة نصوص مهمة انتجها كتاب إماراتيون وصار لها صيت مسرحي على الساحة الخليجية ومنهم ناجي الحاي الذي قدمت عروض لأعماله في الكويت. واسماعيل عبدالله وعبدالله صالح، فكانت نصوص الحتاوي تحضر في هذا الفضاء وهذه الانطلاقة بشكل كبير، أولا لأنه ترك مسرحيات كثيرة وثانيا لخصوصيتها وأسلوبها في الاتكاء على الماضي والحوادث الشعبية التي تتماس مع الذاكرة الخليجية في زمن الغوص.
وفي زمن الحارات الشعبية في زوايا بيوت «الخوص»و«الطين«، فحينما نتحدث اليوم عن الهوية وقلقنا عليها من فقد الملامح، فإننا نسجل لواحد من كتاب الإمارات مثل الحتاوي ذهابه إلى مناخات درامية غارقة في المحلية، لجهة اللغة المكتوبة في نصوصه ولجهة انتقاء الشخصيات من الحارات والأحياء والتقصي الكتابي والسبر في الموروث السردي لشخصيات وحوادث في الميثولوجيا الشعبية لأهل الخليج والإمارات على وجه الخصوص.. فمن بيئات مختلفة على شواطئ البحر وفوق مراكب الصيد والغوص على اللؤلؤ إلى شخصيات لصيقة بمكانها وبرائحة الأرض والتراب، محملة ومكتنزة بإرثها الفولكلوري والشعبي، تتمنطق بمحدداتها الشخصية النابعة من عمق المجتمع.
يبحر الحتاوي برقم مهم في النصوص المسرحية مغرية لأي دارس للحالة المسرحية في الإمارات وللتجارب المتفردة فيها، كان الحتاوي يدافع عن هذه الشخصية، ويحارب من اجل انتصار لهجته الدارجة، ليس ضعفا منه أمام اللغة العربية، لأنه قدم نصوصا جميلة وثرية بالبلاغة في أعمال مسرحية كتبها بالفصحى. ولكن لأنه من الكتاب الذين دفعهم التغير الديموغرافي لمجتمع الإمارات لحالة من ردة الفعل الدفاعية، سواء كان ذلك بوعي أو بوازع من عقله الباطن. ردة فعل ملخصها النكوص إلى الماضي ونبش مواطن الجمال فيه ومواطن الاحتدام، مواطئ الخير والشر، مع مسحات كثيرة في اغلب نصوصه هي عبارة عن اعترافاته ومواقفه ككاتب في ظل هذا الطقس المشحون بالعاطفة والحنين لزمن يفترض انه الأجمل.
في سنوات اندفاعاته الأولى ككاتب تتحقق لمسرحياته عروض ناجحة ومثيرة للالتفات، وبعد أن حققت مسرحيته الأولى «أحلام مسعود»نجاحا كبيرا، كان سالم يكتب بنهم كبير، لدرجة أن دورة من دورات مهرجان أيام الشارقة المسرحية شهدت مشاركة أربعة نصوص مسرحية من تأليفه قدمتها أربع فرق مسرحية، ويومها قيل إن هذا الكاتب يمتلك ساحرا يكتب عنه، فهو سريع الانجاز، وينتج نصوصه في زمن قياسي ونصوصه مثيرة للجدل والاهتمام، مفعمة بالأسطرة تفتح نوافذ الخيال، قادرة على البقاء، شديدة التأثير في حالاتها الإنسانية، جمل صارخة وديناميكية، شخصيات تأت من العتمة وتذهب تاركة..
لكن ذلك الساحر لم يكن سوى ذلك القلم اللاهث في يديه وكأن شعورا داخليا وخفيا يقول له اكتب المزيد، لم يتبق لك مزيدا من الوقت بين دهاليز المسرح وكواليس خشبة العرض.
في كتابه «المسرح في الإمارات..المرجعيات وتجليات الواقع»والذي يرصد فيه الباحث عبدالاله عبدالقادر المسيرة التاريخية والفنية للحركة المسرحية في الإمارات، يعرج الباحث على تجربة الحتاوي، مؤكدا على أنها تجربة تستحق التوقف عندها لأهميتها..
فضمن قراءته النقدية لعروض الدورة السابعة لأيام الشارقة المسرحية يقول عبدالاله: شهدت الدورة تقديم 12 عرضا مسرحيا لكتاب مسرحيين محليين ثلث النصوص لكاتب واحد هو سالم الحتاوي، وقد شكل ظاهرة في الدورة، بل ولم يعرف المسرح كثيرا من الكتاب من طرح نفسه بهذه الكثافة والتنوع، لذا فان ظاهرة سالم الحتاوي ما زالت تحتاج إلى مزيد من التفكير العميق والدراسة للوصول إلى قراءة جيدة لهذا الكاتب دون أن تظلم تجربته، بل وان الانتظار أحيانا يصبح ضروريا لتلمس سمات الكاتب في أعماله اللاحقة وخارج حمى المهرجانات.
وفي تقصي مؤلف الكتاب ايضا عن تجربة الحتاوي يتعرض لمسرحيته «جنون البشر»التي قدمها مع فرقة المسرح الحديث ويقول عنها «جنون البشر لمؤلفها سالم الحتاوي مسرحية اجتماعية في أطار ما ظهر من مسرحيات عديدة في تاريخنا المسرحي في الخليج، تطرح إشكالية التعبير القسري المفاجئ للمجتمع بعد ظهور النفط، ليس كمادة فحسب بل كعامل اقتصادي مؤثر في نمط الحياة العامة وقد نشأت علاقة جدلية بين هذا النمط من المسرحيات وبين عوامل التغيير ونتائج تلك العوامل، وقد اتخذت مساحة واسعة امتدت أكثر من أربعة قرون في الخليج»..
والناقد عبدالاله حينما يقرأ على هذا النحو عرض جنون البشر للكاتب سالم الحتاوي فانما يؤشر إلى قلم هذا الكاتب ومسرحه المتعدد والمتنوع المواضيع، فسالم الحتاوي مهووس بهذا النبش في المساحة بين الخير والشر صراعهما الأزلي، السلطة المتأزمة، السلطة المتسلطة، البطل المقموع كلها احتكاكات درامية اتكأ عليها الحتاوي من اجل بلورة أفكاره وهواجسه ومعالجة قضايا واقعة، وإبداء رأيه من خلال شخوصه التي يختارها.
«أحلام مسعود» «الملة» «ليلة زفاف» «إنها زجاجة فارغة» «زمزميه» «زهرة» «الياثوم» «عرج السواحل» «الجنرال » «اللي يدري يدري» «عشوان» مراديه» و«جوهرة »و«دور فيها يا الشمال».. ونصوص مسرحية أخرى مهمة لسالم الحتاوي ومحطات درامية وقفت أمامها الساحة المسرحية بتأمل شديد، يومها كان الحتاوي يكتب ويكتب بلا توقف.
في اليوم الواحد لسالم الحتاوي أكثر من مشروع، يبحث عن استغلال الدقائق، يكتب ولا يتوقف، يناقش، ويستمع كثيرا لكل من يحكي حالة أو موقفا أو حكاية مندثرة في الزمن وتحت غبار السنين.
يتتبع شخصياته ويلبسها هموما كثيرة، يتعبها، يورطها، يضعها في خانة اتهام ليبحث لها عن خلاص، في هذا العبور بين برزخ الورطة الدرامية وبين مشهد الخلاص النهائي يتلصص الحتاوي دافعا متفرجيه إلى العيش في لحظات مفعمة بالمحلية، فأسماء شخصياته، هي أسماء قد تندر الآن فيما بيننا، لكنه يأتي بها من قاع تلك الأحياء الشعبية، ومفردات جمله ستكون تلك الغائرة في قاموس المحلية.
يصر سالم الحتاوي كثيرا على غمس نصوصه في حساء المحلية المفرطة ويدافع عن ذلك باعتبار هذا الحساء هو طعم المجتمع الحقيقي الذي لم «تمكيجه» الحداثة وحياة ما بعد النفط. في نصوص سالم الحتاوي طعم الموج والتراب قبل أن تسكنه الأبراج الزجاجية، لهذا فان تلك النصوص التي ترصع مكتبة المسرح في الإمارات لهذا المؤلف الذي رحل عن عمر قصير وعمر فني اقصر ستعيش لسنوات طويلة لأنها تحمل خميرتها في داخلها، فهذه النصوص قابلة للتأويل، قابلة لاعادتها وتدويرها واستنساخها فنيا ونقديا.
عرج السواحل..المارد القادم
المخرج المسرحي احمد الانصاري أكثر المسرحيين التصاقا بنصوص سالم الحتاوي، وهو خبيرها وشكلا كثنائي نجاحات عديدة خصوصا في مسرحية «عرج السواحل»وهو يعتمد على الخرافة التي تقول إن بطل المسرحية ضعيف الشخصية ومستلب بيته وحريته وزوجته التي تتعرض للاغتصاب أمامه، لن يتمكن من قوة تنهي عذاباته تدب في جسده إلا حينما يلبي رغبة المشعوذ لكي يجلب له جذرا من شجرة تنبت في جبال مدينة غريبة..
وبالرغم من هذه المباشرة الا أن سر نجاح هذا النص هو انه يأتي في زمن يغيب فيه المخلص المظلم فيلجأ الناس إلى معاقرة الاسطورة.. ويذهب الحتاوي من خلال بطله الذي يقول عنه انه حافظ تاريخ العرب ومجد بطولاتهم سيسقط في النهاية لأنه لا شيء هناك ما يسمى بالخلاص المعتمد على وهم.
نص كالطلقة المباشرة لنقد الحالة العربية المتخلية عن ارادتها وخيارها المصيري.. هذا النص، أو العرض أوصل الحتاوي واحمد الأنصاري إلى منصة تتويج مهرجان المسرح الخليجي في مسقط ويومها اعتبر المسرح الإماراتي بعد أن شاهده النقاد والجمهور بالمارد القادم.. شكل الثنائي الحتاوي والأنصاري ثقلا كبيرا وهما يعملان معا على مسرح الحالة، ومسرح الفرجة فكانت لهما قواسم مشتركة عرفا بها في الساحة المسرحية المحلية. ومنها مسرحية «الياثوم«.. و«الملة»و«مراديه».
جنون البشر.. بحثا عن فضاء مغاير
في لقائه مع المخرج المسرحي حسن رجب كانت الثمرة مسرحية «جنون البشر»وهنا ينهض الكاتب الحتاوي من النبش في الماضي والأساطير إلى الواقع، في مكاشفة معلنة، فالبطل هذه المرة فنان تشكيلي يعتمد في دخله على أعماله الفنية التي تقتنيها منه شخصية لها اعتبارها في المجتمع.
لكن في النهاية تكبر المساومة حينما يتضح ان هذه الشخصية لديها رغبة ملعونة في امتلاك زوجة الفنان، وهنا يقدم سالم الحتاوي معادلته الدرامية في هذا النص الذي يقتفى الأثر الشعوري عند الإنسان حينما تهدر الأخلاق والقيم في مقابل المادة..هل يخضع هذا الفنان التشكيلي، أم يموت جوعا بين ألوانه ولوحاته؟
من هذه المنصة أبحر حسن رجب كمخرج وكممثل في هذا العرض وأبحر الكاتب الحتاوي باتجاه عمل مسرحي في مناخ فرجة حديثة.. يومها قيل ان الحتاوي خرج من جلبابه المعتاد، لكن الذين قالوا ذلك تغافلوا عن إن الكاتب المسرحي لا يمكن ألا أن تتجاذبه التيارات والأساليب وتغريه، والحتاوي من هؤلاء الكتاب الذين جربوا الكتابة في فضاءات مختلفة ومتعددة.
إنها زجاجه فارغة.. صراع الأنا والآخر
في مسرحية إنها زجاجة فارغة كانت الحالة قاسية جدا على البطل فارس الذي يعود إلى مكانه الذي هجره ليستعيد ذاكرته، يستعيد حبيبته، أو مشروع الحبيبة الذي لم يكتمل، يستحضرها في لحظة خارجة عن الوعي، لكن هذا الغياب يحضر في الواقع ليكشف التمزق الذي تعيش فيه نفس فارس الداخلية، هذه الشخصية الممزقة، بلا عنوان، بلا أوراق ثبوتية، بلا مكان وبلا ذكريات.
.في هذا النص الذي قاده للعرض مع المخرج إبراهيم سالم الذي سبق وان نفذ للراحل الحتاوي مسرحية زمزمية، يغوص الحتاوي في تلافيف النفس الجوانية، كان من المهم انتزاع اعتراف ولحظات مواجهة ساخطة على المحيط، الذي هو الجحيم.. خطوة كتابية شديدة التركيز، وما اخطر الغوص في «الجواني» الإنساني..
شرارة البدء
في لقاء الراحل الكاتب سالم الحتاوي بالمخرج المسرحي عمر غباش كانت شرارة الانطلاقة، فهذا الأخير لبى أول نداء للعرض حينما تصدى لإخراج مسرحية «أحلام مسعود»، ومنها شاهد الحتاوي شخوصه تتحرك وتتحول أحداثه إلى واقع مجسد فوق خشبه المسرح. وفي اعتراف مازلت أتذكر بعضا من كلماته. كان الكاتب سالم الحتاوي يومها وفور خروجه من اول عرض لأول مسرحية يكتبها يعترف بصراحة انه مندهش كيف أن المسرح يحول الكلمات والسكون إلى حركة وحياة ونبض..
يومها قال..الآن سأبدأ لأن المسألة اتضحت، حينما ترى تجسيد نصك المسرحي تصبح أكثر قدرة على اكتشاف نقاط القوة ونقاط الضعف.. الآن سأكتب نصا أراه بعيني قبل كتابته..أتذكر هذه الكلمات ومعها أخرى، كان ذلك وسالم الحتاوي مازال غريبا على ساحة الشهرة والإعلام.. عمر غباش هذا المخرج يسجل له التاريخ مع هذا الكاتب تلك الشرارة التي أصر على إشعالها لتبدأ مسيرة نصوص الحتاوي في التقدم..
لا شك أن الساحة المسرحية في الإمارات قد فقدت كاتبا مسرحيا ودراميا من الطراز النادر والمهم، ولا شك أن ما تركه سالم الحتاوي سيحتل مساحة ومكانة واضحة في ذاكرة التأليف وفي الأرشيف الأدبي للمسرح، ولا شك أن الذين سيأتون بعد أجيال سيجدون على رف المكتبة نصاً من نصوصه، وسيكون ذلك مغريا، لأن ما يميز الحتاوي ككاتب مسرحي هو قدرته على صناعة حبكة درامية قابلة للقراءة من وجوه عدة، فأعماله المسرحية اغلبها ارتكز على فتح الدلالة وإتاحة الفرصة لتأويل المقولات..
فضاء مفتوح ومواضيع متعددة والتصاق شديد بالإنسان..ترك الحتاوي إرثا مسرحيا محترما، وفتح الباب مشرعا أمام إسهامات الدراسات النقدية والبحثية حولها.
ترجل الحتاوي عن عمر يناهز 48 عاما، ولد في العام 1961، عرض له أول نص مسرحي في العام 1995 وودع المسرح بعرض مسرحي قدمه لجمهور الأطفال.«ياسمين والمارد الشرير»وفي هذا العرض أيضا أصر الحتاوي على الذهاب إلى الماضي والأساطير بجلب الشخصية الشهيرة «بود رياه«، الشخصية التي يقول عنها أجدادنا أنها تعيش في البحر وتظهر للبحارة لكي تسرق حاجياتهم وتقتلهم غرقا.
محطات مهمة
ترك الراحل سالم الحتاوي أرثا كبيرا من الاعمال المسرحية المهمة أبرزها: «أحلام مسعود» «الملة» «ليلة زفاف» «إنها زجاجة فارغة» «زمزميه» «زهرة» «الياثوم» «عرج السواحل» «الجنرال » «اللي يدري يدري» «عشوان» مراديه» و«جوهرة »و«دور فيها يا الشمال».. ونصوص مسرحية أخرى مهمة ومحطات درامية وقفت أمامها الساحة المسرحية بتأمل شديد.
مرعي الحليان


