الدكتور عبد المنعم تليمة أحد النقاد البارزين في الساحة النقدية العربية، والذين تتعدد إسهاماتهم ما بين المجال الأكاديمي في الجامعة، ورصد وتحليل الإبداعات والتيارات الفنية المختلفة على المشهد الإبداعي العربي بمتابعاته وآرائه النقدية التي تسعى إلى المواءمة بين الفنون المختلفة..
ومن هذا المنطلق كان هذا الحوار مع تليمة حول المشهد الثقافي الراهن، وأثر المتغيرات والتقنيات الحديثة في مسيرته، كما سألناه عن حال الشعر العربي، ومستقبل الرواية العربية فإلى التفاصيل.
نقف بداية عند المراحل المبكرة من تكوينك العقلي لنتعرف إلى العوامل الفاعلة في هذا التكوين؟
ولدت أول يوليو العام 1937 في أسرة فقيرة ريفية بإحدى قرى إقليم الجيزة، وفي كُتاب القرية تلقيت القرآن الكريم، ومبادئ اللغة والحساب، وانتقلت أسرتي إلى القاهرة منتصف الأربعينيات.
ووقعت ظروف ومصادفات من رسم القدر وضعتني ـ أنا الطفل الفقير ـ في رحاب رواد النهضة وأعلام العصر: درست على يد طه حسين، وأحمد أمين، وأمين الخولي، وتعرفت إلى نجيب محفوظ ومحمد عبد الوهاب، والشعراء محمود حسن إسماعيل، كامل الشناوي، إبراهيم ناجي، وحضرت جلسات بمجمع اللغة العربية يرأسها أحمد لطفي السيد، وأصبحت من رواد ندوة العقاد، ومجلس سلامة موسى..
وبعد التخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية عُينت معيداً، وأشرفت سهير القلماوي على رسالتي للماجستير والدكتوراه، واتصلت بالنقاد والمفكرين الكبار أمثال محمد مندور، ولويس عوض، وزكي نجيب محمود، وشكري عياد، ومحمود شاكر.
عثرات راهنة
لكن.. ما أهم المصادر التي أثرت في تكوينك العقلي، وما أهم ما أخذته منها؟
كانت مصادري الأولى، علمياً وفكرياً وإبداعياً وروحياً، الموروثات المقدسة والمرويات والمدونات الملحمية العتيقة والشعبية المروية وخوالد الأدب والفكر والفن، واستكملت هذا الشوط في رحلتي الطويلة إلى الشرق الأقصى، فقد زرت الهند والصين، وعشت أستاذاً زائراً عشر سنوات باليابان، وفي تلك الدائرة الثقافية العظيمة اتصلت اتصالاً حميماً بالإبداعات الفنية والفلسفية والروحية الشرقية.
لقد عاصرت وأخذت وتفاعلت مع ثلاثة أجيال من الرواد والعلماء والمبدعين، فقد أخذت من تراث الإمام محمد عبده علم الكلام الجديد (التوحيد) الذي يربط بين الدين والحياة، وأخذت عن طه حسين المنهج النقدي التقويمي الذي يدرس التراث على أسس عقلانية عصرية، وعقدت الأواصر الحميمة مع جيلي الراهن من الدارسين والمفكرين والعلماء والمبدعين.
لك أفكار واجتهادات تتصل بالنهوض العربي في التاريخ الحديث والمعاصر من حيث غايات النهوض والعثرات الراهنة وسبل الخلاص والطريق إلى المستقبل.
دخل العرب ـ بعد تاريخ طويل من الصعود والخمود ـ إلى العصر الحديث في منتهى القرن الثامن عشر، وفجر القرن التاسع عشر، فكان النهوض الحديث والمعاصر، بعد الصعود القديم والخمود الوسيط.
وقد صاغ العرب المحدثون ـ من رواد مفكرين وعلماء ومبدعين وقادة وساسة ـ غايات للنهوض: تتمثل في تحرير الوطن، تحديث المجتمع، تعقيل الفكر، توحيد الأمة، لكن هذه الغايات تعثرت بصورة هيكلية خطيرة نتيجة لأمرين محددين: أولها الاستبداد الأجنبي، فقد تعرض العرب في العصر الحديث لكل ضروب العدوان والاستعمار الخارجي.. ثانيًا: الاستبداد المحلي، فقد سعى العرب المحدثون إلى إقامة الدولة المدنية والمجتمع العصري، لكن يعطل هذه الغاية بقايا قوية من حكم العشائر والقبائل، ثم الحكم العسكري والبيروقراطي والأمني.
وكيف ترى المخرج من المآزق العربية الراهنة؟
يضع أصحاب الفكر الاستراتيجي والمستقبلي مخارج محددة، أهمها الإصلاح الاقتصادي بتأسيس مجتمع صناعي عصري منتج، والإصلاح السياسي بالاعتراف بالتعددية واحترام الأداء العام والشعبي والديمقراطي، والأهم من ذلك الإصلاح الثقافي حيث يرى هؤلاء الاستراتيجيون أن هذا الإصلاح هو قاعدة كل إصلاح، لأنه هو الذي يؤصل المقومات التي تقوم عليها المؤسسات العصرية.
ومن هنا تبدأ اجتهاداتي وتنتهي إلى أن العروبة في التاريخ حقيقة ثقافية، فللعرب أصول وأعراق تفاعلت موروثاتها العتيقة، فخلقت ثقافة عربية إسلامية هي واحدة من أهم الثقافات في كل التاريخ الإنساني، وخلاصة رأيي أن البدء إنما يكون من الثقافة.
المشهد النقدي
الثقافة هي التي تؤصل المفهومات وتحدد المسؤوليات والمؤسسات: سياسية واجتماعية واقتصادية في المأزق العربي الراهن.. فما المخرج في رأيك؟
إنما يكون المخرج من خلال محاور عدة، أولها: لكل لغة حية أكاديمية واحدة تنهض على حفظها ودرسها وتجديدها، وفي العالم العربي خمسة مجامع لغوية في القاهرة، ودمشق، وبغداد، وعمان، والرباط، وبالتالي فالمخرج هو أن يكون هناك مجمع واحد مستقل.
ثانيًا: لكل لغة مناهج تعليمية تجيد التوصيل على الأسس التربوية، فتنتج أجيالاً عربية متقاربة المفهومات والتطلعات.
ثالثا: تنهض كل ثقافة بالتفاعل الصحي والصحيح الذي يتجاوز الجوازات والضرائب والحدود المصطنعة ـ المعنى هنا إعفاء التفاعل الثقافي بين العرب من كل معطل ومعوق.. أيضًا البدء بالوحدة الثقافية، وكذلك التعليم والإعلام والتفاعل الثقافي الحر.
اتصلت بالآداب والفنون الحربية الحديثة والمعاصرة أستاذاً وناقداً ومبدعاً، كيف ترى مشهد المنتج العربي في هذه الحقول الآن؟
تشهد حياتنا الثقافية الراهنة صحوة إبداعية حقيقية، على الرغم من قسوة الظروف الاجتماعية، والتناحرات السياسية؛ ويتجلى هذا ـ بالذات ـ في حقول الشعر والرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية وفي فن الموسيقي.
.. والمشهد النقدي؟
يسعى الدارسون والعلماء في الدوائر العلمية والمراكز الأكاديمية العالمية إلى تأسيس علم منضبط لدرس الإبداع، ويستعينون في ذلك بأسس معرفية وفلسفية وعلمية موضوعية، وبإجراءات وأدوات حازمة.
وقد اجتهدت أجيال من الأكاديميين العرب المحدثين للمشاركة في تأسيس علم عصري منضبط لعلوم الجمال وفلسفة الفن ونظرية الأدب، ولضبط المعايير والإجراءات في التعامل التطبيقي مع الأعمال والتصدي للنصوص.
وقد شهدت الثقافة العربية المعاصرة توسعاً كبيراً في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولا ريب في أن هذه الوسائل تبث متابعات لمنتجات الفنون والآداب، لكن يعكر على الجهود الأكاديمية المحافظة والضيق فيقف أثرها عند صفوة وقلة، ويعكر على المتابعات الإعلامية التسرع وعدم الاختصاص، ويعدل الميزان أن يتوجه النقد الأكاديمي إلى الحياة الإبداعية الحية، وإلى جمهور عامة المثقفين، وأن يسند المتابعات الإعلامية تطوير مهني في دورات منهجية منتظمة، وترقية للجوانب المعرفية والدراسة الجمالية.
الأدب التفاعلي
بفعل الثورة التكنولوجية ظهر ما يسمى بـ «الأدب التفاعلي» الذي يشارك فيه القارئ مع المؤلف في إنتاج النص، فكيف تنظر إلى انعكاس ذلك على الحياة الأدبية؟
أرى أن تفاعل الأدب مع التقنيات الحديثة للإنترنت سيصب في صالح جميع الأطراف سواء الأديب أم القاري أم الحركة الأدبية كلها، وهذا التفاعل سوف يفرز ناقداً من نوع خاص؛ حيث سيكون ناقدًا موسوعياً ملماً بأبعاد الفنون والتصنيفات الجديدة غير الشعر والرواية، وهي التصنيفات التي ظهرت في ظرف تاريخي..
في حياتك وكتاباتك ملامح روحية عميقة، ما مصادر هذا، وما صلتك بالدين؟
ولدت ونشأت في أسرة متدينة، وأول ما فتحت عيني وجدت فوق رأسي رفاً عليه ثلاثة كتب: القرآن الكريم، صحيح البخاري، والفقه على المذاهب الأربعة، وحفظتُ القرآن الكريم في كُتاب القرية، وأنا دون العاشرة، وتخصصت في علوم اللغة العربية، وقمت بتدريس علوم القرآن والحديث بالجامعة، وبتدريس الحضارة العربية الإسلامية بالجامعات اليابانية عشرة أعوام؛ فكل ذلك جعل حياتي محاطة بآفاق روحية فريدة.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
