الحجر طرب الأصم من الداخل، نقيضنا في ضحالة ما ينتمي إلينا عندما نستخفُّ به، وننسى أن ذاكرتنا مهما تجلت براعتها هي دون ذاكرته في حفظ الأمانة لأمد طويل.

نتبادل الاتهامات أحياناً، إذ يحضر الحجر تعبيراً عن قسوة متصورة، كما هو الحديث عن القلب المتحجر، لنحمّل الحجر هذا ما ليس فيه. ننسى أنه مرآتنا الداخلية، صلتنا العميقة بماض تليد لنا.

الشعراء وهواة اللقطات الجميلة أو الغرائبية في معرض الطبيعة المفتوح والحجر بأشكاله وألوانه تحفته أكثر دراية بغواية الحجر الموسوم، بالمرئي فيه رغم كثافة عنصره، وإذ يخفق قلب المؤرخ متلبساً بمرئيّه إزاء كتابة في عهدة حجر، وهو بمثابة الراوية الثقة كثيراً حيث يكفي القليل من التبصر لتبيان مصداقيته، والتعرف إلى جمالية التماسك الأثيرة، شهادتنا الأكثر نبوغاً مكانياً.

نعم، سلالات للحجر تستقطب تباعاً في البحث عنه ودراسته الفلكيين والآثاريين والجيولوجيين وهواة الفن ومحترفيه والبنَّائين والمعماريين، فيكون مدخلنا إلى الكوني والأكثر غموضاً فينا!

نبحث عن أكثر الصفات صلادة، ونحن على يقين تام أن في وسع الحجر هذا تحمُّل ما نسقطه عليه من الصفات تلك. نمارس تفكيكاً له انطلاقاً من معرفة تكاد تكون مطلقة لخصائصه الطبيعية، لكيفية تكوّنه وتذرره، نخضعه للسيل الجارف من انطباعاتنا عنه، وهو في تلك السلبية التي قيّض له من خلالها أن يكون متشكلاً كما هو موقفنا الذاتي الضيق منه وتوليفنا لحقيقته.

دفعة واحدة ننسى ما يكونه الحجر، ننسى أن الحجر متعدد الوجوه في نسَبه وموقعه، في غموضه ووضوحه، في اتخاذه هيئات وعلامات، في تمثيل ما يعبّر عن أكثر اعتقاداتنا عراقة وحتى شمولية، رهبةَ مقام وهيبة وقدسية في جانبه التوسطي بين من ينحني أمامه، ويتبصر قوى تتخلله وتتجاوزه أرضياً، وما يبقينا نهب أسئلة دواماتية تخص مبدعه الأول بين طراوة متخيَّلة وقساوة لا يخطئها اللمس فقط. ما نكونه نحن عندما نستعيد الصورة المثلى للحجر.

وهي في أكثر تجلياتها فذاذة وإشراقة معنى، صورته وهو يحمل عنا أعباءنا التاريخية، يُفترَش لوقائعنا المفصلية في التاريخية، يغدو عيننا التاريخية التي لا تُغمض، قرطاسنا الذي لا يبلى وهو نهب رياح التاريخ وعوادي الزمن كثيراً، حيث يشكل المهادُ الطبيعي الذاكرة الفارهة والأمينة، إذ تبرز مستجدات وانعطافات تواريخ.

بينما يظل مستشرفاً الأفق الأقصى لمن كانوا قبلنا، ولمن يأتون من بعدنا، أي يكون الحجر وثيقة، أي يكون اللوحة المفتوحة في المتاحف الطبيعية: الكهوف والمغارات، وما يقتطع من الحجر ويتم صقله، ما يتم تنضيده ليكون مسكننا الوقائي، محميتنا الأكثر تضمناً بالأمان، لوحاً مصقولاً وأملس وهو يمتلئ مسامات يتنفس من الداخل، كما لو أن الصلابة المنسوبة له تنطوي في العمق على جمالية المخفي.

حيث المحفور فيه وديعتنا الزمنية المرجوَّة، ثقتنا في أن المنبثَّ في صفحته المفتوحة خطاب قادر على حمل آثارنا إلى اللاحقين علينا، وهو ملتقى أفراحنا وأتراحنا. الحجر طرب الأصم من الداخل، نقيضنا في ضحالة ما ينتمي إلينا عندما نستخفُّ به، وننسى أن ذاكرتنا مهما تجلت براعتها هي دون ذاكرته في حفظ الأمانة لأمد طويل.

الحجر الذي ننزع عنه جبروت المعنى الذي لا يفارقه، إذ نستعين به وكأنه مستجيب لعنفنا في التصارع، وهو في الحالة هذه مطواع اليد التي تطوّح به أو ترميه هنا وهناك، ولكنه يستقر منطوياً على صمته.

ولكَم يبرز طلق المحيَّا وهو متحوَّل نحتاً، لوحة تستجيب لأكثر الانطباعات أصالة، الحجر المضياف العصي على التحول إلا إذا داهمته يد لا قدرة له على ردّه، ولكنه في الحالات كافة يشي بجملة الأيدي التي تتقاسمه، أو تتناوبه، وتعبره ظلال الوجوه، إنما الصفة الأتم له تتمثل في روعة المنبني به، وفي رائحة المستقر على سطحه العميق فناً لا يطعَن في أصالته!

يصطف الحجر مع الأكثر بقاء، ولهذا لا يتقبل الأثر بسهولة، لا يستجيب لأي يد تتعامل معه ليكون حامل وديعة: كتابة، رسماً، علامة ما، وإن تم القبول يكون الأثر داخلاً فيه، يتنازل له عن بعض منه، وكأنه يعزز حجريته بالصفة الممنوحة له، ويصعب في الحالة هذه نزع المؤثر عنه.

ربما في هذا المقام الحجري يمكننا اكتساب الحكمة الأكثر شفافية، حكمة الحجر التي تمنحنا وفورة القوة من الداخل، وثراء المعنى حضوراً، بما أن طرب الأصم هو الأكثر قابلية للأخذ به، إذ يتفاعل فيه وجها الحياة والموت، وما يتدفق في صلابة الحجر يستحيل صفاء كما هو الينبوع، كما هو المدرَك من جهة الإزميل الذي يناسب الحجر كبرياء، كما هو المحفور فيه مشكلاً معيناً بصرياً لنا، وتاريخ البشرية الحي لا أظنه متجاوزاً لهذا الأثر الحواري القويم، وفيه يكون تفاوتنا!

إبراهيم محمود