«جروبي».. مقهى عريق فخم، وأكثر.. نعم إنه يقع في ميدان سليمان باشا وسط القاهرة في واحدة من أفخم البنايات العريقة التي تنطق جمالاً وأناقة يعكسهما طرازها المعماري من عصر الباروك.
السويسري «جاكوم جروبي» مؤسس المقهى العريق هو الذي أدخل أول قطعة آيس كريم إلى مصر في العام 1889. ولجروبي بالقاهرة فروع كثيرة، ولكن أشهرها جروبي سليمان باشا الذي يتميز بأكثر من مدخل، منها مداخل للبكوات وأهل الفن ورجال الأعمال والمشتغلين بالعمل السياسي في مصر وقتذاك.من هنا كانت خصوصية ذلك المحل السويسري الذي يناديك في صمت من البعيد عندما تتناثر تمازج رائحة الشوكولاته والميل فوي والدخان المتصاعد من القهوة التركية والاكسبرسو، فما يكون منك إلا ان تتبع الدخان والمذاق الحلو، وتدخل على أرضيته المزركشة برسومات نادرة ومطعمة بالذهبي وهي كلمة «خلية النحل» والتي تعني الحركة والاحترام الزائد على المكان.
«جروبي ـ حكاية تحكي، ومكان لابد أن يخبرك ولو من البعيد فهو أكبر من كونه مكاناً لتناول «البوك شوكولاه» مع الشاي الانجليزي، أو تناول القهوة التركي مع أصابع المارنج فرنسية الصنع، أو مزيج من الآيس كريم بنكهات الفواكه الطازجة ومعها بسكويتة فرنسية رقيقة الملمس رائعة المذاق تعرف باسم «لونج دي شاه» ـ أي «لسان القط»، وهذه الحلوى كانت تعشقها سيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم، تتناولها قبل فنجان القهوة التركي.وكان الحراك الاجتماعي والسياسي والفني فترة الأربعينات من القرن الماضي، ينعكس بوضوح على «جروبي» مكان أحمد مظهر فارس السينما المصرية مع «ثومة»، وعلي أمين ومصطفى أمين وإحسان عبدالقدوس، جميعهم يتناولون إفطارهم في جروبي، ولأحمد رمزي حكاية لعبت فيها الصدفة دورها.. فما هي؟
كان رمزي يجلس في جروبي يتناول إفطاره المعتاد والمكون غالباً من الكرواسون بالجبن الفرنسي وشاي إيرل جراي رائحته تؤكد وجود رمزي بالمكان، وكان دائماً معه أصدقاء الدراسة، وفي أحد الأيام شاركهم الجلسة الصباحية المعتادة مخرج شاب اسمه «يوسف شاهين»، ولعبت الصدفة دورا آخر عندما انضم «للشلة» الصباحية عمر الشريف، فقدمهما يوسف شاهين في فيلم «صراع في الوادي» وهو فيلم جمع أصدقاء الدراسة رمزي والشريف ويوسف شاهين، وكان لهما فيه البطولة المطلقة.ولجروبي دور في عالم السياسة، ففي عام 1960 ـ عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ـ سقطت شبكة جواسيس تعمل لصالح الموساد الإسرائيلي، وهو ما عرف وقتذاك باسم «عملية سمير الإسكندراني» الذي تمكن من كشفهم وكان على رأسهم «جورج استاماتيو» أحد عمال جروبي.
ومن هنا، كان جروبي أكثر من مقهى، لأنه كان أيضاً رمزاً عتيقاً على التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية والحراك الاجتماعي والنهضة الفنية التي عرفت بها مصر خلال الثلاثينات والاربعينات، حتى استمرت المسيرة إلى الآن، بالإضافة إلى انه كان يعكس الارستقراطية الاجتماعية التي شهدتها تلك الفترة، فكل من يدخل جروبي كان وقوراً شديد الأناقة في منتهى اللباقة، تفوح رائحة العطر من الزبائن لتختلط بجماليات روائح الجاتو والكيك والمارون جلاسيه والشاي والقهوة «والشوكلاه أوليه» أي الشوكولاته باللبن.
ومن المفارقات الجميلة، أو بمعنى أصبح من المعاكسات والطرائف التي كانت تحدث للموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب المعروف «بوسواس» النظافة ان أحمد مظهر كان أحياناً يوهمه بوجود رائحة غير مستحبة، فيرفض عبد الوهاب شرب القهوة، فيشربها أحمد مظهر، ولكن كل ذلك لم يبعد الموسيقار الكبير عن وسواسه المعروف..
جروبي مساحة زاخرة بكل شيء.. مساحة تجمع بين فلسفة شعب ومعتقدات أجيال وحلم شباب هذه الفترة.. هذه الرموز جميعها كانت تلتقي في مقهى جروبي من أجل أوضاع أفضل، ومن أجل تحقيق حلم مصر في الازدهار والرخاء.. في هدوء وحب شديدين كانت المناقشات حول طاولات مستديرة من خشب الورد، اتت من سويسرا لتحط برحالها الأنيق في البهو الكبير لجروبي.
وتغطي بمفارش «شراشف»، من الأبيض الناصع المشغول يدوياً عند كبار العاملين بالتطريز في ألمانيا وسويسرا وقت ذاك، حول هذه الطاولات وعلى الكراسي بالخدديات المحشوة بريش النعام كانت تتناول سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة بجمالها الغامض الذي لا يعرف الناظر اليها من أين يأتي هذا الجمال بالتحديد ـ كانت تتناول إفطارها المكون غالباً من السويسرول أو البريوش والقهوة العربية..
أما راقية إبراهيم فكانت تأتي في الرابعة من بعد الظهر لتتناول الآيس كريم المعروف باسم «كاساتا» وهو عبارة عن آيس كريم مربع الشكل مغلف بورق يحميه من الذوبان وهو ـ الآيس كريم ـ محشو بحشوة «الفونرون» (حلوى فرنسية) وبالفواكه الجافة كالكرز والفراولة عندما تزال الورقة الواقية عنه، تفوح رائحة يصعب مقاومتها.. رائحة المذاق والاناقة وجماليات المكان.. نعم فالروائح لها لغة خاصة بها ودلالات جمالية وشعور متفرد بالمكان.
جروبي.. مهد للذكريات في عصر عشق الجمال، فمن منا لم تطأ قدميه ونحن صغاراً مع الأسرة لتناول الجاتو وكان يأخذنا أحد «الجارسونات» (الندلاء) لنختار بأنفسنا كل ما يروق لنا، وهذا المقهى بالتحديد كان له معنى كبير لدينا نحن أطفال مرحلة الخمسينيات وهو شعور بالثقة الرائعة بالنفس، بحق لم نكن مفرطين في الطموح.
ولكن لابد وأن نعود للمنزل ومعنا علبة بيضاء مزركشة بالأخضر الفاتح بها جاتو، وبعض من الشوكولاته وكثير من الفونرون الذي نصطحبه معنا للمدرسة ونأكله خلسة في الفصل، فمذاقه لا ينتظر «الفسحة» حتى العاشرة صباحاً..
ولجروبي خدمات منزلية كثيرة.. أرستقراطية كزمن الاربعينات حسبما يقول الأهل دائما، وكان جروبي هذا هو اللغز ومفتاح السر لفترة رائعة، من خدماته خدمة تعرف باسم «صباح الخير»، عبارة عن شخص غاية في الأدب لا تفارق الابتسامة «شفتيه» يدق باب المنزل في السادسة صباحاً لتوصيل الحليب المبستر الذي يعده كبار الشيفات بعد استلامه من مزرعة جروبي الخاصة الواقعة في مزارع الهرم بالقاهرة ومع الحليب خبز ساخن وزبادي وجبن جيريار، هذه الخدمة كان يشترك فيها معظم سكان الزمالك وجاردن سيتي والهرم.
هي علامات على زمن يجمع بين الطموح والجدية والجمال والعدل والحق.. ومن هنا كان جروبي أكثر من مقهى، فهو جزء من مساحة زمن وتاريخ وذكريات ناس أيضاً.
فلسفة الذكريات وثقافة المكان تعكسهما محلات جروبي في مصر، صلاح جاهين من المبدعين في كل مجال حتى في ذكرياته التي كان يغلف بها حياته، وفي حديث معه في زمانه الجميل سأله أحد الصحافيين عن أحلى مكان فقال «جروبي» الجميلة. وسرح جاهين في البعيد وقال:
«أحيانا المكان يضفي الجمال والأمل»
وزاد على كلامه فقال:
إنشد يا قلبي
غنوتك للجمال
وأرقص في صدري
من اليمين للشمال
من بعيد تفضل
لبكرة سعيد
ده كل يوم فيه
ألف ألف احتمال
بالفعل يحضنك المكان، وتشعر بأنك إنسان.. هكذا أقول أنا..
«جروبي».. مكان شارك كل فتيات مصر فرحتهم بالخطبة والزواج، فكان التقليد العريق أن تتم هذه المراسم «الحلوة» في منزل الأسرة الكبير أو حديقة الفيلا في شارع هاديء بعيد، وكيف كان دور جروبي؟
يرسل أشخاصا من عنده متخصصين في الديكور، يخلون المنزل من الأثاث تقريباً، ويفرشون بالترابيزات خشب الورد السويسري وكراسي وثيرة بألوان الطيف، وكوشة للعروسين بالياسمين والقرنفل، ثم يرسل مع كبار الطهاة جميع الأكلات المختارة ليرتبونها على «بوفيه» أرقى من الجمال، يتصدرها خروف بحشوة الأرز، وحمام مخلي وديك ومحاشي وحلويات.
مشهد لا ينسى، ثلاثة من العاملين في جروبي، يحملون معاً صندوقاً خشبياً خاصاً جداً بالمواصفات الواقية من ذوبان الآيس كريم، بداخله ما يشبه «الشكل» به ملح خشن وثلج، وبه تورته آيس كريم مغلقة عملاقة، أشهرها آيس كريم «ماري انطوانيت» ولابد ان تكون ألوانها مناسبة لألوان فستان العروس، والقرنفلة الزهرية، المرشوقة بأناقة في عروة البدلة «السموكن» للعريس.
وسط زغاريد وتهاني بزواج سعيد يدوم ويدوم، نرى الندلاء يوزعون الأطباق على المدعوين، مرتدين الزي الرسمي، عبارة عن سروال وصدرية من اللون الكحلي ومطرز بالقصبي المذهب، وعمامة بيضاء مطرزة بالذهب المؤكسد..
ذكريات مكان، وأفراح ناس.. ودنيا وذكريات الوقار منهج... والجمال شرط من شروط الحياة، والاحترام ميثاق عائلي من يخرج عنه «يحرم من الميراث»..
خطوط الزمان قسمت المكان.. وكبر.. وطلب الترميم، ليس بحقن بوتوكس أو مشرط طبيب، وإنما بقرار من مدير جديد يعرف قيمة الأمم والأماكن، وتم الترميم وعاد الجمال ومعه ذكريات المكان، ولكن علامة استفهام هنا تفرض حضورها القوي، هل شباب اليوم ورجال الأعمال وكبار الفنانين يزورون المكان؟
فالشباب يرى جروبي الآن مكانا عتيقا وسط البلد، شاهد على تاريخ وكأنه مشهد من فيلم أبيض وأسود، عليه يفضلون وجبات «التيك اواي» سريعة التوصيل وسريعة امتصاص الدهون وحجزها في الجسم.. وجبات غاب عنها أرستقراطية المذاق، وجماليات فلسفة «اللمة»، فاللمة الآن يعكسها جهاز الكمبيوتر تتناثر حوله ساندوتشات جاهزة وعصائر محبوسة في كرتون بدلاً من كاسات الكريستال البليجيكي!
فلسفة سريعة المذاق.. ثقيلة الهضم، ولكنها تشبه هذا الزمان، لاهث الخطى.. طموحات ناس مدمرة، كواليسه مظلمة.. إلى حين ينهض من تحت الركام من يصير للشباب النخوة وتذوق الجمال، ويلقنه فلسفة الفكر والمكان والزمان..
ألحان عبد الوهاب
في زوايا المكان في صالات جروبي مقاعد وتيرة ـ كان الموسيقار محمد عبدالوهاب وبعد تناول الإفطار والتأكد من نظافة الفنجان، ينزوي ويبدأ تلحين إحدى الأغنيات.. إلهام المكان وأناقة الناس تحاكي موسيقى ملحن الأجيال..
منى مدكور



