رحلة يومية مع المرأة ومؤقتة مع الرجل. وما بينهما حاجة كمالية متنقلة وضرورة ارتحالية إلى مدن أخرى. وفي الحالتين ثمة هواجس تفترع الرجل والمرأة في معنى أن تكون هناك حقيبة أو لا تكون؛ فمن وجهة نظر المرأة أن الحقيبة شيء كمالي ومظهري لا غنى عنه.
بالإضافة إلى كونها «مخزناً» شخصياً تتبعثر فيه كل الأشياء الصغيرة من ماكياج ومحارم وأوراق ومحابس وبانادول ودهون بشرة وقلامات أظافر ومساحيق مختلفة؛ في حين تبقى حقيبة الرجل المسافرة عبئاً يتنقل بين المطارات والحافلات والسيارات الصغيرة. فيما تبقى الحقيبة الديبلوماسية أنيقة وتضفي الأناقة النسبية على حاملها!ثقافة الحقائب بشكلها العام تنطلق من ثلاثية الجغرافيا والوطن والبيت وتشير اليها في مدياتها التوصيفية والمعنوية، ولعل المطارات والموانئ البحرية أفضل ساحة لمعاينة النوع الثقافي الذي تتركه الحقائب من انطباعات مباشرة لحامليها.
الحياة حقيبة عملاقة ونحن نمشي في جيوبها الكثيرة. هذا توصيف رمزي عام. والأوطان حقائب ثبّتتها الجغرافيا. وهذا توصيف وطني. والبيوت حقائب أُسرية نعيش في أسرارها. وهذا توصيف شخصي. وثقافة الحقائب بشكلها العام تنطلق من هذه الثلاثية الكبرى وتشير اليها في مدياتها التوصيفية والمعنوية، ولعل المطارات والموانئ البحرية أفضل ساحة لمعاينة النوع الثقافي الذي تتركه الحقائب من انطباعات مباشرة لحامليها، فالموضة الآسيوية تختلف عن الموضة الأوروبية، وكلاهما يختلفان عن الموضة الأفريقية أو موضات أميركا اللاتينية. قد تكون الشركات العالمية المتخصصة بصناعة الحقائب نشرت منتوجاتها الحقائبية في القارات وأصبح تداولها عالمياً. لكن تبقى هناك نكهة للّون المحلي الذي تشير الحقيبة إليه، فالثقافة الاجتماعية التي تؤشر لحاضنتها الحضارية تُنتج خصوصيتها في الأشكال المحلية المختلفة.
وربما تكون الحقائب واحدة من «المظاهر» الشكلية المتجولة في أنحاء العالم عبر المطارات على وجه الخصوص. لغة الحقيبة وصورتها الحقيبة لغة وصورة.. وهنا تأخذنا اشتقاقات التأويل إلى معاينة الحقيبة بوصفها منتوجاً ثقافياً عالمياً، تشترك الشعوب في انتاجه واشاعته في كل مكان للاستهلاك من جهة وتوفير عوائد مادية، وجعْلها علامة ثقافية بالصورة المصاحبة لها كتشكيل فني رسمي أو علامة إشارية تقرّب حضارة البلد منتج الحقيبة، هذا اذا تحدثنا عن العمق الكامن بصناعة الحقيبة أو الإشارة الثقافية فيه، أما الغرض التجاري فله ماركاته وصناعاته وتسويقه الذي يعتمد على جلود التماسيح أو الكوبرا.
كما حصل بعد أن ظهرت المغنية كايلي مينوغ بحقيبة من ماركة «زاغلياني» المصنّعة من جلد التماسيح، والممثلة إيفا لونغوريا بحقيبة من «برادا» المصنّعة من جلد الكوبرا، حيث أحدثتا ضجة في أوساط جمعيات دعاة الرفق بالحيوان، بعد شراء هذه النماذج الفريدة، لأنهما تركتا وراءهما حشوداً من سيدات المجتمع الارستقراطي يتسابقن لشراء هذه الماركات، ويعني برأي دعاة الرفق بالحيوان قتل المزيد من التماسيح وأفاعي الكوبرا!
استهلاك الثقافة
هذه ثقافة استهلاكية لطبقات معينة في المجتمعات الغربية والعربية.وهي ربما السائدة على حساب الثقافة الوطنية والحضارية للبلدان، فالعصر فرض شروطه وأحكامه القاسية في إنتاج الأثر الاستهلاكي وتتبعه وتسويقه والتنويع عليه بما يجعله سلعة مطلوبة وباقية مع اطراد السنوات وتوالي الموديلات والموضات. وإذا كانت الفساتين وموضاتها اليومية مدعاة للزينة والتفاخر وتنويعاً ثقافياً اجتماعيا، فإن الحقيبة منذ وقت طويل كانت نوعاً ثقافياً ورمزاً للمكانة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة.
المرأة والحقيبة
بين المرأة والحقيبة علاقة حميمةٌ، على أن تقل بينها وبين الرجل إلى حد كبير. ويتسابق المصممون عادة لطرح كل ما هو جديد ومثير ونوعي عبر موازنتين: الأولى إشاعة الثقافة الاستهلاكية بتقديم نماذج حقيبية مختلفة الحجوم والأسعار وهذه النماذج تحفل بعينات من صور مختلفة لمشاهير فنية ورياضية وعلامات تجارية مألوفة او في طريقها إلى الألفة.
ولا يكون فيها بُعد يمثل جهة حضارية أو ثقافية، إنما هو من الدارج الاستهلاكي العام. والثانية إشاعة الثقافة الحضارية بمستوياتها المعقولة سياحياً وتراثياً وحضارياً بنوعيات تتباين في حجومها وأسعارها. وعادة ما يكون الهدف تراثياً ـ ثقافياً ـ سياحياً يبيّن هوية المنشأ الحضارية والجمالية.
كتف المرأة وكتف الحقيبة
الحقائب النسائية كبيرة وصغيرة ومتوسطة. كتف المرأة وسيلة لحمل الحقيبة. لكن الواضح أن الأحجام الكبيرة نسبياً هي ما يغري المرأة كثيراً على اقتنائها.
الكتف شماعة لتعليق الحقيبة وقد تحول دوره العضوي الطبيعي في الجسم لممارسة دور خارجي ألقيَ عليه عنوة بحمل الحقائب التي تخفّ وتثقل حسب حاجة المرأة لدس حاجياتها المطلوبة وغير المطلوبة، فالمرأة عموماً تميل إلى أن تُشغل نفسها بالكثير من «النواعم» ربما تعبيراً عن قلق مجتمعي يتربصها، أو إلهاء ذاتها بالصغيرة والكبيرة هرباً من عيون تلاحقها أو أفكار تراقبها.
المرأة أكثر حساسية من الرجل في اقتناء اشيائها الصغيرة والكبيرة وملء حقيبتها بها. لكن الرجل يتحرر من هذه الأعباء عادة ويكتفي بحمل حقيبة ديبلوماسية وهي موضة الستينيات والسبعينيات الشائعة التي ظلت ترافقه، تعبيراً عن مركز وظيفي أو للتباهي الاجتماعي. وعادة ما كان الأطباء والمحامون والقضاة يحملون هذه النوعيات المميزة وفيما بعد الطلبة الجامعيون، وكان هذا الميل يؤشر إلى نوع ثقافي سائد في المجتمعات، ويعكس طبقات المجتمعات ويفرزها.
غير أن العصر الحديث ألقى بحقائب شتى مختلفة الأحجام والمنافع يقتنيها الجميع دون الإحساس بالفوارق الطبقية والاجتماعية، بما يشي بتقارب النوع الثقافي وانصهاره في قوام عالمي جديد.
طبقات الحقائب
خبراء الصحة يحذرون النساء من حمل الحقائب الكبيرة، لما تسببه من آلام للظهر والأكتاف، لكن المرأة بطبعها لا تفرّط بأناقتها مهما بلغ الثمن! واذا ما كانت الحقيبة قد تحولت إلى موضة تُوائِم ألوان الفساتين وتتفق مع أزياء السهرات وتتصل بالذائقة النسوية، فإنه تؤشر المديات الاجتماعية بثقافاتها التزيينية والكمالية والاكسسوارية، وتساند زيادة الأسهم «الأناقية» لبعض النساء من بعض الطبقات، لاسيما طبقات المشاهير في الفنون على وجه الخصوص.
عبء الحقيبة
استعراض الحقائب التي خرجت من وظيفتها التقليدية إلى وظيفة كمالية مترجرجة حسب الرغبة في الظهور الاجتماعي، يعكس الكثير من الولع في إكساء المظهر الخارجي للمرأة، بعكس الرجل الذي لا تسبب له الحقيبة أية هوس استثنائي، بل أن الكثيرين يفضلون يمشون بلا حقائب، وحتى حقائب اللابتوب اضحت عبئاً على حاملها في الكثير من الأوقات!
وحشية الأدغال
الترويج والاعلان والدعاية في التلفزيون والمجلات البراقة التي تكتظ بها الأكشاك من أهم «أمراض» العصر الحديث في التأكيد على «اغراء» النساء بشتى الاحتياجات ومنها الحقيبة التي باتت متلازمة يومية للمرأة.
دار «بيربيري» البريطانية العريقة، ذهبت إلى أبعد من مجرد الحملات الدعائية، وزينت واجهات محلاتها بلندن، بمجموعة حقائب من تصميمها الاخير المرصع بعشرات القطع الصغيرة من الحديد، والتي تلعب على الأسلوب الذي يستحضر موضة البانكس واسلوب الروك أند رول السائد حاليا. مع التأكيد على شد انتباه المرأة لاقتناء الحقيبة الكبيرة.
أما ماركة «إم.سي.إم» التي عرفت أوجها في بداية التسعينيات، عادت ايضا بقوة بحقائب بألوان تتوهج بالأحمر والأبيض والأسود ومصممة بحرفية عالية وجمالية تخاطب الطبقات الثرية من اصحاب اليخوت .
ومن مرتادي المنتجات النخبوية، وعلى هذا المنوال ولتأكيد ثقافة الإعلان الذي يضمر النوايا الترويجية بأي ثمن، فإن مصنعي ومصممي الحقائب يتباهون في اذكاء جذوة الجمال في تصنيع الحقيبة بالالوان المعدنية المبتكرة والخامات الثمينة والملاحق الاكسسوارية والمسكات الذهبية ونقوش الحيوانات المتوحشة (لإدخال دفء الأدغال ووحشيتها إلى ظهركِ!!).
الحقائب
ـ لماذا نشدّ السلاسلَ عبر ألوفٍ من الكيلومترات..؟
ـ نرتاحُ في غرفٍ مرّ فيها ألوفٌ من الناس..؟
ـ نبصرُ أوجهَنا في الوجوه..
ـ ونمضي
ـ لنمسحَ عند المساء غباراً تراكمَ فوق الحقائبْ
ـ لماذا الحقائبْ؟
ـ ثلاث سنينٍ وتوقظنا عند كلّ صباحٍ
ـ فننهض فوق أسرّتنا بالبجامات منطفئين
ـ ونقفزُ نحملها ثمّ نرجع للباب منكفئين
ـ لنمسحَ عن راحتينا غبارَ الحقائبْ؟
ـ لماذا الحقائبْ؟
ـ تسافرُ في الليل مجنونةً..
ـ ثمَ تهدأ بين ضجيج البواخر،
ـ تجلسُ صامتةً
ـ بين وجهي المعذّبِ والبحر،
ـ فوق رفوفِ القطارات..
ـ سيّدتي هل تخافُ الحقائب..؟
عبد الكريم كاصد.
وارد بدر السالم



