غالباً ما تأتي الرواية الأولى في مسيرة أي كاتب مفتقرة إلى العديد من العناصر التي تكفل القدرة على اجتذاب القراء، وربما لهذا السبب على وجه الدقة فإن الروايات الأولى لا تلقى الحماس من الجمهور، خاصة في الغرب، لكن «لوحات في معرض» تعد من الاستثناءات البارزة في هذا المجال حيث استطاعت الروائية سارة هوتيلينج من خلالها اجتذاب الكثيرين من القراء.

تجري أحداث هذه الرواية في باريس التي ألقت الحرب العالمية الثانية بظلالها القاتمة عليها، حيث تتابع قصة ماكس بيرينزون في غمار سعيه لاسترداد الأعمال الفنية المفقودة التي كانت مملوكة لعائلته، والتي تعرضت للنهب خلال الاحتلال النازي لباريس. وقد ولد ماكس ابناً لوسيط فني وعازفة بيانو، وحظر عليه دخول ميدان النشاط العملي لعائلته، وهو الوساطة في الصفقات المتعلقة بالأعمال الفنية، وذلك لأسباب لم يستطع فهمها قط، ومن ثم فقد التحق متردداً بدراسة الطب، محتفظاً بعاطفته الحقيقية لروز كليمان، مساعدة أبيه الجميلة والذكية في إدارة المعرض الفني للعائلة. وعندما تقع باريس في قبضة النازي، فإن عائلة بيرنزون تبقى على قيد الحياة في الخفاء، بعيداً عن الضوء والاهتمام، وهي تعود إليها في عام 1944 لتجد أن مجموعتها الفنية التي لا تقدر بثمن قد اختفت، ولم يعد هناك وجود للوحات ماتيس وبيكاسو ولوحة مائية الوحيدة التي يلف الغموض أهميتها والتي كانت العائلة تمتلكها.

يستبد الجنون بماكس في غمار اندفاعه لاسترداد لوحات أبيه، التي لف الغموض مصيرها، شأن أكثر من مئة ألف لوحة نهبها النازيون خلال احتلالهم لباريس. وهكذا فإنه يمضي متنقلاً في غمار المدينة الممزقة، التي تضم الوسطاء الفنيين والمتعاملين في السوق السوداء ورجاء المقاومة والمتعاونين مع النازي.

وهذه الرحلة المذهلة سوف تكشف عن الاختفاء المأساوي لأقرب أصدقائه، وعن النزعة البطولية لحبه المفقود، وعن الحقيقية الكامنة وراء السر المدمر لعائلته.

وقد كتبت هذه الرواية بإحساس درامي حاد ومن خلال الرؤية الشاملة التي يتابع المؤرخ بها أدق التفاصيل. وهي تتخذ مادة لها قصص حياة العائلات الفرنسية التي تخصصت في الوساطة في التعامل مع الأعمال الفنية بيعاً وشراء ورهناً واقتناء وسيرة الحياة المنسية للمرأة الفرنسية الوحيدة التي اشتغلت عميلاً مزدوجاً داخل القلعة النازية المخصصة لفرز الأعمال المنهوبة وتصنيفها وترحيلها إلى خارج فرنسا في إطار عملية نهب هي الأكثر كثافة وتعقيداً من نوعها على امتداد التاريخ.

وعلي امتداد هذه الرواية، سيجد القارئ نفسه مع عملية استحضار مدهشة للمجموعات الفنية المختفية وحياة الفنانين والوسطاء المتعاملين في الأعمال الفنية التي يبدعونها والطابع الرومانسي المدهش والفقدان الرهيب الذي تتسم به هذه المرحلة التاريخية.

وعلى الرغم من أن هذه الرواية تتسم بقدر هائل من الطموح وتتألق بجمال من نوع فريد في انعكاس مباشر للموهبة المدهشة التي تتمتع بها مؤلفتها، إلا أن ذلك لا ينفي وجود هنات لا يمكن أن تخفى على القارئ، حتى وإن لم يكن له باع طويل في فن الرواية.

وقد انعكس الاهتمام الكبير بهذه الرواية الأولى لمؤلفتها في آراء عدد من الكتاب الذين تناولوها في العديد من المقالات في المطبوعة العامة والمتخصصة في عروض الكتب على السواء.

يقول لين نيكوس، مؤلف كتاب «اغتصاب أوروبا»، الذي يعد أحد أهم كتابين صدراً في التسعينات حول النهب النازي للأعمال الفنية الأوروبية، عن هذه الرواية إنها «رواية أولى مؤثرة، تأتي في موعدها، تدور أحداثها في باريس الحرب العالمية الثانية وعالمها الفني، وتخاطب كل عشاق الفن وخاصة من يدمنون على متابعة فظائع عمليات النهب النازية».

وتشير الكاتبة إيمي فورد في مقال لها في «لايبراري جورنال» عن هذه الرواية إنه ليس من قبيل الصدفة أن مؤلفتها تلقت منحة من مؤسسة فولبرايت لدراسة اللوحات الفنية التي فقدت خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تتألق تفاصيل مدهشة على امتداد صفحات الرواية.

ويعرب الروائي أندرو شين عن اعتقاده بأنه «في وقت كهذا، فإن المرء يلتفت إلى كتب من نوعية (لوحات في معرض) في ضوء الإحساس المدهش الذي تعطيه بالطموح وارتفاع السقف. وما من كتاب من بين الكتب التي قرأتها خلال وقت طويل يتمتع بمثل هذا العمق في التاريخ وبمثل هذه اللماحية، حيث يجعل من الفن ترياقا من المعاناة، ويطرح الحب باعتباره سبباً للألم وعلاجا منه».

وتقول صوفي جي، مؤلفة كتاب «فضيحة الموسم» عن هذه الرواية: «يا له من كتاب جميل! إن موضوع سارة هو تيلينج هنا هو الارتباط، بجمال الفن، بالطفولة، لعالم قبل تعرضه للفقدان والمأساة. وباريس التي تستحضرها لنا متوهجة بالحيوية وحزينة، واللوحات التي تصفها لوحات مجيدة. ونثرها متألق».

أما داستن تومسون، المؤلف المشارك لكتاب «حكم الأربعة» فيقول: في رواية (لوحات في معرض» تبث سارة هوتيلينج حياة جديدة في إحدى قصص التاريخ العظيمة التي لم تنته بعد.

وهذه الرواية الأولى المتوهجة بالحياة فصيلة على نحو رائع ومثيرة للاهتمام تماما مثل اللوحات التي تتناثر في صفحاتها». وبدورها تبادر المطبوعات المتخصصة إلى الإعراب عن حماسها لرواية سارة هوتيلينج ، وذلك على الرغم من أنها الإطلالة الأولى لمؤلفتها.

تشير مطبوعة «ببلشز ويكلي» عن هذه الرواية: «رواية أولى طموحة ومرضية.. تقوم هوتيلينج على نحو متألق بإعادة إحياء فظائع الحرب، والتفاصيل الصغيرة والدقيقة والذكية هي التي تجعل معاناة عائلة واحدة غير عادية أكثر قوة بكثير». وتقل مطبوعة «بوكليست» عن الرواية إن: توصيفات هيوتيلينج المتوهجة بالحيوية للوحات وقوتها تضيف المزيد إلى جاذبية هذه الرواية الأولى المؤثرة».

وأخيراً تشير مطبوعة «كيركوس» إلى أن هذه الرواية «عمل مثير» فقد غمست هوتيلينج نفسها بعمق في تاريخ هذه الفترة التاريخية، وعشقها لهذه اللوحات يتألق عبر صفحات الرواية». وتبقى هذه الرواية عملاً مميزاً، يستحق الاهتمام للعديد من الأسباب، وفي مقدمتها استلهامه المدهش لعالم الفن التشكيلي في إثراء نسيج الإبداع الروائي.

الكتاب: لوحات في معرض

تأليف: سارة هوتيلينج

الناشر: نوف، نيويورك، ٢٠٠٩

الصفحات:٢٥٤ صفحة القطع: المتوسط

Pictures at an Exhibition

Sarah Houghtecing

Knopf,n,y,2009

254.p