تمر المناسبات الكبيرة مروراً سريعاً في حياتنا، ولم نعد ننتبه إليها لشدة طغيان صورتنا في مرآة الحياة، وكأننا نسينا تضحيات عظيمة لمن مروا من هنا قبلنا، ولذلك عندما تمر مناسبة مثل «عيد العمال» أو «عيد الشهداء» أو «عيد الاستقلال» وغيرها من المناسبات الكبيرة.. مروراً سريعاً، علينا أن نفكر جدياً في من نحن في الألفية الثالثة.
في طفولتي كنت أمر على سوق المدينة وأنا في طريقي إلى المدرسة، وكنت أشاهد الأعلام ترفرف أمام المحلات التجارية، وكنت أنبهر بالأضواء الكبيرة التي كانت تحول عتمة السوق المسقوف إلى نهار رائع، وكنت أصغي إلى أغنيات وطنية من مكبر وضعته البلدية في مدخل السوق، وكانت بعض المحلات تقدم قطع السكاكر للأطفال، يومها كتب معلمنا في المدرسة الابتدائية «غداً عيد الجلاء».
لسنوات خلت ظلت الشوارع نبضاً لحال الناس، وكانت المناسبات الكبيرة تجد طريقها للحفاوة الشعبية عندما يمر المرء أمام مؤسسة رسمية أو جهة منتجة ويسمع بعبارة «عيد العمال» مدققاً في معنى العيد، ككلمة فضفاضة تحمل معنى الفرح والسعادة، ولربما سيتساءل مستقبلاً من أين جاءت التسمية ولماذا تحولت شعاراً ماركسياً بينما نبتت في عمق الرأسمالية، وعادة الإكثار من طرح الأسئلة يعني نصف الحقيقة لأن النصف الآخر في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية، حيث السعادة تشبه جغرافية مكان العيش.
وذات نخوة وطنية قررت جهات رسمية إطلاق اسم «عيد الشهداء» على يوم السادس من أيار (مايو) وهو اليوم الذي أعدم فيه جمال باشا السفاح 21 وطنياً في دمشق (ساحة المرجة) وبيروت (ساحة البرج) عام 1916 بتهمة الخيانة، لأنهم يريدون فصل الدولة العربية عن الإمبراطورية العثمانية، ومذاك تحولت المناسبة إلى صرخة وطنية ضد الظلم وانتفاضة حرية في وجه الجلاد.
مناسبات كثيرة تمر وقد بدأ بريقها يخبو، ليس لأننا نفاخر بماضينا ونريد المستقبل فقط، بل لأن عشرات المناسبات التي تستدعي أن تتحول إلى عيد قد مرت علينا، لكن لكثرتها لم نعد نؤرخها أو ندخلها في أجندة الاحتفالات، لقد نسينا الحاضر الذي هو أشد قسوة من الماضي، حاضر يحتاج إلى مناسبات كثيرة للتذكر والتحسر والبكاء.
