عاش أندريه مالرو حياة قاسية منذ ولادته في باريس في عام 1901، وذلك بانفصال والديه وهو في عمر الرابعة حيث تعهدت جدته من جهة الأم تربيته. بعد فقد والده الذي كان يعمل عقارياً، منتحراً في عام 1930. في عمر الـ 21 عاماً غادر مالرو إلى كمبوديا مع زوجته الجديدة كلارا غولدسميث.

وبعد عودته تم إلقاء القبض عليه من السلطات الفرنسية الاستعمارية، متهمة إياه باقتلاع لوحة من أحد المعابد التي اكتشفها. وكانت الحكومة الفرنسية ذاتها أزالت الكثير من المنحوتات في موقع أنغوكور وات. وقد أدخل تلك الحادثة في روايته «الطريق الملكي». وقد انتقد الاستعمار الفرنسي في الهند الصينية، وقد أسس جمعية وجريدة باسم «الهند الصينية في السلاسل». ثم نشر روايته « إغراء الغرب» 1926 وهي عبارة عن تبادل رسائل بين رجل غربي وامرأة آسيوية تجسّد تبادل الثقافتين. وتميّز مالرو بوقوفه في وجه الفاشية منذ صعودها وانخرط في تقديم الدعم للجمهوريين في اسبانيا.

وحسب كاتب سيرته الذاتية المتخصص، كيرتس كيت، فقد جرح مالرو مرتين أثناء الاستيلاء على مدريد. وقد ساهم مالرو في الأحداث التاريخية البارزة لعصره وأسس فرقة الألزاس واللورين للدفاع عن ستراسبورغ ضد الهجوم الألماني عليها. وقد حصل على ميدالية المقاومة. وعندما اندلاع الحرب العالمية الثانية، انخرط مالرو في الجيش الفرنسي وتم أسره في معركة فرنسا عام 1940 ولكنه تمكن من الهرب والالتحاق بالمقاومة الفرنسية.

ثم عاد الغستابو وألقى القبض عليه ثانية عام 1944. وكتب خلال الحرب روايته «صراع مع الملاك» وهي تستند على قصة جاكوب المستوحاة من الإنجيل حيث أعدم مخطوطتها الغستابو إلا أنه احتفظ بجزء منها ونشره بعد الحرب. طلق زوجته في عام 1940. وتزوجت ابنته فلورنس المولدة في عام 1933 من المخرج السينمائي المعروف ألن رينيه. وله ابنان من زواجه الثاني.

بعد الحرب عيّنه الجنرال ديغول وزيراً، وزير دولة من 1958 إلى 1959، ووزير الثقافة من 1959 إلى 1969. ونشر بعد الحرب كتابه الهام «سيكولوجيا الفن» في ثلاثة مجلدات وقد أنشأ بيوت الثقافة في عدد من المدن والمحافظات الفرنسية. وفي عام 1960 أطلق مالرو كناشر سلسلة كتبه حول «فن الإنسانية».

وبعد ذلك تزوج في 1948 من عازفة البيانو ماري ـ مادلين ليو إلا أنهما انفصلا في عام 1966. وتفّرغ لكتابة لمذكراته الشهيرة بعنوان «المذكرات المضادة».

توفي في ضاحية كريتي في 23 نوفمبر 1976. ونتيجة لخدماته العظيمة للثقافة الفرنسية، تم نقل رفاته إلى مقبرة العظماء في عام 1996. وأنشأت جمعية عالمية في الولايات المتحدة باسمه في عام 1968 إضافة إلى وجود رابطة أصدقاء مالرو في باريس.

ينقلنا الكاتب الفرنسي الشهير أندريه مالرو في رواية «الوضع البشري» إلى شنغهاي الصينية والتي كانت قبل الثورة الصينية مدينة مجزأة، متنافرة، يحكمها أناس مستعمرون وتتحكم في مصيرها الشركات الأجنبية وطبقة من الرأسماليين.

كتب مالرو هذه الرواية حول فشل الثورة الشيوعية التي وقعت في شنغهاي في عام 1927، والتي امتدت على مدى 21 يوماً. وتحتوي الرواية على أربع شخصيات:

وبعد عملية القتل يصبح تشين محكوماً بالقدرية والرغبة في القتل ويتحول إلى إرهابي. كيو جيسورز، قائد الثورة يعتقد بأن كل فرد يجب أن يختار معنى حياته الخاص ويحاول الحفاظ على السلطة في أيدي العمال. وكاتوف قبل أن يواجه الإعدام خلال الحرب الأهلية الروسية يبقى مزوداً بحصانة نفسية، إلا أنه يُحرق حيّاً لخيانته شهد على موت كيو، ويرى بهدوء كيف يموت رفاقه الثوريين الواحد تلو الآخر.

والبارون دي كلابيك التاجر الفرنسي، وهو مضارب كبير يساعد كيو على شحن البنادق ويخبره إذا لم يغادر المدينة في غضون 48 ساعة سوف يقتل، ويهرب من المدينة متنكراً على شكل بحار. وهكذا يختار كل شخصية مصيره الوجودي في تلك الأحداث.

ويسلط مالرو الضوء على الحرب الأهلية التي بدأت شرارتها في بين الثوار أنفسهم، كيف شكل العمال لجنة عسكرية ووضعوا خطة للاستيلاء على المدينة، ببنادق قليلة و300 مسدس وأسلحة بسيطة كصفائح البترول والخناجر والمطارق والأسلاك الحديدية.

ولكن هذا النصر انتزع منهم حيث دخل الجيش بقيادة شان كاي شك إلى المدينة المحررة وطلبوا من العمال تسليم أسلحتهم. واستغل كاي شك خلافات بين الزرق ـ الوطنيين ـ والحمر ـ الشيوعيين ـ لكي يوقع مذبحة في صفوف العمال. لقد ذهب في الحرب ألأهلية الصينية ملايين الضحايا من البشر وغالبيتهم من النساء والأطفال.

وتتميّز هذه الرواية بشكل أدبي بالغ التعقيد، لأنها ذات منحى جمالي ولا تقتصر على الهّم الاجتماعي والفلسفي فقط، لأن الروائي يمتلك الوعي بلحظته التاريخية ووجوده الإنساني ولغته الأدبية إذ لم يكتفي بالحياة السطحية لشخصيات الرواية. وتمكن من استخراج الاستثنائي والفريد في النفس البشرية. وربما لهذا السبب، حازت على جائزة الغونكور، وهي أرفع جائزة أدبية فرنسية، أثناء صدورها.

الكتاب: الوضع البشري

المؤلف: أندريه مالرو

الناشر: غاليمار 1933

الصفحات: 360 صفحة

القطع : المتوسط

شاكر نوري

Shakirnoori1@gmail.com