من المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية هي أرض للهجرة، وهي بلاد المهاجرين بامتياز حيث كانوا قد قدموا إليها من مختلف أصقاع الأرض وأصبحوا في عداد مواطنيها، بل إنهم هم الذين غدوا أصحاب الأرض بدل سكانها الأصليين.

ولكن ما لا يعرفه إلا القلائل هو أن سنوات الثلاثينات في القرن الماضي (العشرين) عرفت هجرة «معاكسة» من أميركا باتجاه الاتحاد السوفييتي آنذاك الذي كان يحكمه جوزيف ستالين بقبضة من حديد. أولئك الأميركيون كانت تدغدغ مخيلتهم وأحلامهم صورة بلد الاشتراكية الأول وأحلام العيش في مجتمع تحكمه مقولة «من كل بمقدار استطاعته ولكل بمقدار حاجته». لكن حلمهم لم يعش طويلا وانتهوا في معسكرات المنفى في صحاري سيبيريا. هذا الكتاب «المتروكون، مأساة أميركية في روسيا ستالين» مكرّس لهؤلاء.

تبدأ الحكاية في عام 1931 عندما أعلنت وكالة تجارية سوفييتية «امتروغ» بواسطة مكتبها في «مانهاتن» عن 6000 عرض لشغل وظائف وأعمال شاغرة في الاتحاد السوفييتي.

وخلال عدة أيام فقط قدّم مئة ألف أميركي ترشيحهم من بين سبّاكون وطبّاخون وعمّال كهرباء وغير ذلك من المهن المختلفة. بل وكان بينهم حفنة من الذين جذبتهم الإيديولوجيا الشيوعية الذين أرادوا العيش في «جوّهم الطبيعي» ولم يترددوا في بيع كل ما كانوا يملكونه في أميركا للذهاب إلى «الأرض الموعودة» حيث «الفردوس الشيوعي».

وكانت تلك أكبر حركة للهجرة من الولايات المتحدة إلى خارجها خلال التاريخ الأميركي كله. وكانت أيضاً هجرة «نوعية» بعيدة عن الفاقة الاقتصادية والبحث عن زيادة الثروة وتحقيق الأحلام على الطريقة الأميركية. بل كانت بحثا عن تحقيق «الذات الإنسانية» في مجتمع بلا طبقات وبلا أي أفق ممكن للبطالة وحيث يتمتع العمال بمرتبة استثنائية في بلاد «دكتاتورية البروليتاريا-الطبقة العاملة». ذلك كله على خلفية «خيبة الأمل الرأسمالية» التي تكرّس الفوارق الطبقية والتمييز العنصري واستغلال العاملين واضطهادهم.

ولكن الحلم لم يكن متطابقا مع الواقع القائم، إذ بعد أن يشير المؤلف إلى أن أولئك الرجال والنساء عاشوا فترة من الغبطة خلال المرحلة الأولى من وصولهم إلى «بلد الاشتراكية الأول».

ومارست مجموعات من أولئك المهاجرين الذين كان من بينهم عدد من الأوروبيين، كما يشار، رياضة «البيسبول» المفضّلة على ملاعب حديقة غوركي الشهيرة في العاصمة السوفييتية موسكو وحيث أن أولئك الأميركيين لم يكونوا يحلمون حتى بالدخول إلى ملاعبها في الولايات المتحدة، ومارست مجموعات أخرى كل أنواع الرياضات والتسالي وموسيقى الجاز وغيرها في منفاها «الاختياري».

لكن في عام 1933 اعترفت الولايات المتحدة الأميركية رسميا بالاتحاد السوفييتي. وكان ذلك بمثابة الإعلان عن نهاية «شهر العسل» ليبدأ القمع الستاليني في سياق من أزمة كبرى كانت تعاني منها البلاد بوجود المجاعة في أوكرانيا والرعب في مختلف أنحاء الاتحاد السوفييتي.

وكان رد الفعل «الطبيعي» لأولئك المهاجرين الأميركيين أمام ما شاهدوه من قمع هو أنهم طلبوا العودة إلى بلدهم الأصلي، الولايات المتحدة. لكن ستالين منعهم من ذلك وفرض عليهم البقاء حيث هم إذ أنه لم يكن يريد أن يذهب أولئك «الشهود» إلى البلاد التي تتزعم معسكر الخصوم الامبرياليين و«يحكون على الملأ» ما شاهدوه وعايشوه.

وكانت الخطوة التالية هي قرار السلطات السوفييتية ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال مع بقية معارضي النظام القائم. ففي «معسكرات العمل» تلك، كما شاعت تسميتها الرسمية السوفييتية كانوا على عزلة تامة مع العالم الخارجي. وزاد من الطين بلّة كون أن أولئك المهاجرين كانوا قد سلّموا عند وصولهم إلى الأراضي السوفييتية جوازات سفرهم الأميركية للتعبير على أنهم قد اختاروا وجهتهم النهائية.

أولئك الأميركيون الذين ذهبوا بإرادتهم إلى الاتحاد السوفييتي «تخّلى عنهم النظام الستاليني القائم آنذاك وقمعهم دون أية رحمة. لكن تلك «الخيانة» لم تصدر من الجانب السوفييتي وحده، كما يقول المؤلف، ولكنها كانت أيضاً من قبل بلادهم الأصلية التي «تخلّت عنهم» لأسباب تتعلق بـ «أنانية الدبلوماسيين الأميركيين».إن المؤلف يقدم في هذا الكتاب بعملية بحث تاريخي لتقصّي مسيرة أولئك الأميركيين الذين انطلقوا من لوس انجلوس وغيرها. ويعتمد في بحثه على وثائق رسمية ومذكرات ويوميات ومقابلات وأراشيف كانت محروسة بأقصى درجات السرية في العالم «الحديث» من قبل آلات القمع الستاليني».

كما اعتمد خاصة على شهادات بعض الذين ظلوا على قيد الحياة منهم.ويروي المؤلف على مدى العديد من الصفحات قصة «توماس سكوفيو«، الطالب السابق في مدرسة للرسم، والذي أمضى 30 سنة في الاتحاد السوفييتي منها 25 سنة في السجون. ومما يقوله في توصيف حالته: «اعترى توماس سكوفيو الخوف بعد اعتقال أبيه ؟ في موسكو- فتوجّه إلى السفارة الأميركية بموسكو. كانت جميع السفارات الأجنبية تقريبا محاصرة بجموع تريد الهرب من الاتحاد السوفييتي (...). طلبوا منه في السفارة العودة بعد أسبوع لتفحّص حالته. لكن عند خروجه من السفارة اعتقلته الشرطة السرية السوفييتية. كان عمره 21 سنة وكان موجودا في الاتحاد السوفييتي منذ عامين ونصف».

كانت تلك بداية مرحلة منفاه السيبيري. ولم تكن هناك أية جهود من قبل السفارة الأميركية للمطالبة به. لماذا؟ يقول المؤلف: «لعلّ وزارة الخارجية الأميركية لم تكن تتمنى عودة أولئك الذين ربما لن يتأقلموا مع المنظومة الاقتصادية السائدة أو أولئك المتطرفين اليساريين من مختلف التيارات الفوضوية، ولذلك تخلت عنهم دون أسف كبير».

الكتاب: المتروكون، مأساة

أميركية في روسيا

ستالين

تأليف: تيم تزولياديس

الناشر: بنغوان برس

لندن 2008

الصفحات: 448 صفحة

القطع: المتوسط

The forsaken: an american tragedy in Stalin's Russia

Tim Tzouliadis

Penguin Press

London 2008

448.P