«متنافسون» هو العنوان الرئيسي لكتاب المحلل السياسي المعروف عالميا «بيل ايموت»، أما موضوعه فيدل عليه بوضوح عنوانه الفرعي القائل: «كيف سيصيغ الصراع على السلطة بين الصين واليابان والهند العقد القادم».

ويقوم بيل ايموت في هذا الكتاب بتحليل الإستراتيجيات الاقتصادية التي تنتهجها الدول المعنية، من موقعها كدول-أمم. وذلك في مواجهة التحديات التي تطرحها السياسات الاقتصادية والعسكرية للقوة العظمى الأميركية على الصعيد العالمي. ويبيّن من خلال هذا كيف أن «القوى العظمى الآسيوية الوليدة» ستكون لها كلمتها في صياغة عالم الغد.

الملاحظة الأساسية الأولى التي يقدمها المؤلف تتمثل في القول أن الحقبة الراهنة هي الوحيدة في تاريخ آسيا التي لا تكون فيها القارة تحت هيمنة بلد آسيوي واحد أو تحت هيمنة مجموعة من القوى الخارجية.

إن بلدانا كبرى ثلاثة تتقاسم اليوم السلطة الاقتصادية في آسيا، و«تتصارع» بنفس الوقت من أجل هذه السلطة. وهذه البلدان الثلاثة هي الصين والهند واليابان التي لكل منها مصالحها وطموحاتها على الصعيد الإقليمي، كما على الصعيد العالمي. وبهذا المعنى «تتنافس» فيما بينها، الأمر الذي أراد المؤلف الدلالة عليه في عنوان الكتاب.

إن المؤلف يجمع في تحليلاته بين الاقتصاد والسياسة وملاحظات التجربة الشخصية خلال أسفاره إلى البلدان الثلاثة المعنية لتفسير ظاهرة صعودها. والكتاب غني بالتفاصيل الدقيقة عنها كلها، دون غياب الاهتمام بتفحّص الآثار العالمية المترتبة على التنافس «المتعاظم» فيما بينها. وتظهر مثل هذه الآثار خاصة على صعيد البيئة وانتشار الأسلحة النووية.

ويصل المؤلف إلى نفس النتائج التي تتكرر تقريبا في مختلف الأبحاث الخاصة بالبلدان الثلاثة مثل القول أن النمو الاقتصادي السريع للصين يعيش حالة صراع مع نزعة التسلط السياسي السائدة في ظل حكم الحزب الشيوعي الصيني، وأن الهند تمتلك قدرات كامنة هائلة للنمو الاقتصادي شريطة أن يتم تحقق الاستقرار العام عبر السيطرة على مختلف أنواع الانقسامات والنزاعات الداخلية على خلفيات عقائدية أو إثنية أو طبقية.

وأن ازدياد حدّة شيخوخة السكان في اليابان يمكن أن تقود البلاد أكثر فأكثر في طريق «الانحطاط الاقتصادي». ولعل ما يميّز هذا الكتاب عن الكتب الأخرى التي وصلت إلى نتائج مماثلة، جزئيا على الأقل، هو أن المؤلف يصيغ رؤيته للبلدان الثلاثة ضمن إطار واحد تقريبا وحيث هناك نفس «نقاط الضعف» و«القوة» على الصعيد الإقليمي.

وميزة أخرى تتحلّى فيها تحليلات هذا الكتاب وهي أن «بيل ايموت» يتعرض لمناقشة أكثر النقاط حساسية، والتي ليس أقلها مصير «مضيق تايوان» الذي تمر عبره شحنات مواد الطاقة إلى الصين أساسا، والمشاكل الحدودية حول بعض المناطق والتاريخ «التنازعي» خاصة بين اليابان والصين. لكن دون أن تذهب التحليلات باتجاه «الإنذار بالخطر»، كما جرت العادة.

ويؤكد المؤلف على أهمية «البعد التاريخي» الذي تجد فيه البلدان الثلاثة ما يجعلها تعتز بماضيها، إذ كانت الصين والهند مثلا تؤمنان، قبل الثورة الصناعية الكبرى التي عرفتها أوروبا، ما يقارب نصف الإنتاج العالمي من المنتجات المصنعة. ولكن آسيا عرفت قبل نهضتها الأخيرة فترة طويلة من السيطرة الاستعمارية وحربين عالميتين وحروبا أهلية واضطرابات ثورية، لكنها عادت واستيقظت من جديد بعد معاناتها الطويلة لتحتل الصفوف الأولى على الصعيد الاقتصادي العالمي.

وكانت اليابان قد برزت من جديد من رماد الحرب كي تصبح قوة اقتصادية عالمية رئيسية في سنوات الثمانينات. وفي الصين كان وصول دينغ هسياو بينغ إلى السلطة هو «المنعطف» نحو النهوض الاقتصادي. وكانت الهند قد شرعت في عام 1991، مع انهيار المنظومة الاشتراكية، بإجراء إصلاحات جوهرية باتجاه المنافسة في اقتصاد السوق.

ويتم دعم الآراء المقدّمة في الكتاب بعدد من الإحصائيات التي تشير إلى واقع الازدهار الاقتصادي في الصين والهند حيث تدل على أن الصين تستهلك اليوم نصف الاسمنت العالمي وأن الهند سوف «تتجاوز» على صعيد القوة الاقتصادية القوة الاستعمارية السابقة «بريطانيا» في أفق السنوات العشرة القادمة. ويصل المؤلف إلى القول أن القرن الحادي والعشرين سيكون «آسيويا»، مثلما كان القرن التاسع عشر أوروبيا، والقرن العشرون أميركيا. لكن يحرص «بيل ايموت» على التحذير مباشرة من النظر إلى آسيا ككتلة واحدة وتجاهل واقع ما تعرفه من توترات وحذر ومنافسات بين القوى الآسيوية الكبرى المعنية.

بالإجمال يرى المؤلف أن النمو الاقتصادي للصين والهند مرشح للاستمرار خلال الفترة القادمة أيضا، لكن كل بلد من البلدان الثلاثة سوف يواجه عددا من التحديات، إذ سيكون على الصين مواجهة «تباطؤ النمو» و«مشاكل البيئة»، وعلى الهند مواجهة «ضعف منظومتها التربوية» و«بناها الأساسية التحتية». أما شيخوخة السكان فستكون التحدي الأكبر بالنسبة لليابان. بكل الحالات ستكون أخطار عدم الاستقرار السياسي أكبر من التحديات الاقتصادية.

الكتاب: المتنافسون الصراع على السلطة في آسيا بين الصين والهند واليابان

تأليف: بيل ايموت

الناشر: هوغتون هاركور لندن 2008

الصفحات: 352 صفحة

القطع : المتوسط

Rivals

Bill Emmott

Houghton Harcourt London 2008

352.P