عرفت القارة الإفريقية أشكالا متعددة من الاستعمار وتعرّضت لنهب ثرواتها وجرى نقل الآلاف من أبنائها إلى «العالم الجديد» للعمل في المزارع الأميركية. وعرفت أيضاً بعد نيل بلدانها استقلالها السياسي، أو عندما كانت بصدد النضال من أجل نيله، العديد من الحروب الأهلية. والصحافي «غي ارنولد» الأخصائي بشؤون القارة السوداء يقدم كتابا لتوصيف هذه الحروب الأهلية تحت عنوان: «قاموس تاريخي للحروب الأهلية في إفريقيا».
مسرح «الحروب الأهلية» التي تشكل موضوع هذا الكتاب هو إذن القارة الإفريقية، أما الفترة الزمنية التي تغطيها فهي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن، أي الفترة التي عرفت جلاء الاستعمار عن معظم بلدان القارة. ويشمل هذا الكتاب-القاموس عشرين «حربا أهلية» تشكل المادة الأساسية فيه. هذا بالإضافة إلى عدة «عناوين» تخص حركات التحرر الوطني الإفريقية مثل «المؤتمر الوطني الإفريقي» أو الحركة الشعبية لتحرير انغولا، أي الحركات التي كانت لها «مساهماتها» في الحروب الأهلية.
ويضم هذا الكتاب شرحا للدور الذي لعبته شخصيات سياسية إفريقية بارزة في الحروب الأهلية ببلدانها مثل عيدي أمين دادا في اوغندة أو «لوران كابيلا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية، الزائير سابقا. وكذلك يتم التعرض للهيئات وللدول التي أرادت أن تلعب، أو لعبت، دورا في «الوساطة» بين الأطراف الداخلة في الحروب الأهلية أو في الاشتراك بقوات «حفظ السلام» مثل الكومنولث والأمم المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة. هذا مع التأكيد أن هذه الأطراف كلها تدخّلت باستمرار من أجل خدمة مصالحها الخاصة في القارة السوداء.
وإلى جانب مختلف المواضيع السابقة يقدم المؤلف في إطار تعريفاته القاموسية مجموعة من «الأحداث» التي كانت لها دلالة خاصة أو كانت «منعطفا» في مسيرة بلدانها. وذلك مثل «انتفاضة سطيف» في الجزائر حيث عرفت تلك المدينة وسط البلاد حركة تمرّد شعبي عام 1945 ضد الاحتلال الفرنسي جرى قمعها بشدّة. لكنها كانت «نقطة تحول» في المشروع التحرري الجزائري الذي انطلقت شرارته الحقيقية عام 1954 ولم تخمد سوى مع الاستقلال عام 1962. ومن الأحداث «المركزية» التي يذكرها المؤلف اتفاق «نكوماتي» عام 1984 الذي وضع حدا نهائيا لحالة النزاع بين جنوب إفريقيا والموزمبيق.
وكي تكتمل الصورة يقدم المؤلف في هذا الكتاب القاموس تعريفا بالدور الذي لعبته مجموعة من الهيئات والمؤسسات في الحروب الأهلية بالقارة الإفريقية دون أن تكون طرفا مباشرا فيها. وهكذا يتعرض لشرح الدور الخاص بالكنائس وبالمرتزقة وهيئات المساعدة الدولية. هذه كلها كان لها مساهماتها بل إن المرتزقة لعبوا أحيانا دورا مركزيا في تغيير أنظمة الحكم بعدد من الدول الإفريقية.
ومن خلال هذه المواضيع كلها، وعبرها، يقدم المؤلف تأريخا حقيقيا للقارة الإفريقية. ويناقش عددا من الأسئلة المطروحة أكثر فأكثر حيال هذه القارة مثل تلك الخاصة بمعرفة الشروط التي تسمح، أو التي «تجعل من الواجب» التدخل في «الشؤون الداخلية» لبلدان تعاني من الحرب الأهلية من أجل الحد من فتك الحروب الأهلية.
ومسألة أخرى يناقشها المؤلف وتتعلق بمفهوم «السيادة» الوطنية، وهل ينبغي احترامها بأي ثمن ولو كان ذلك من أجل وضع حد نهائي لحرب أهلية فتاكة. ويطرح في مثل هذا السياق السؤال التالي: هل من الأفضل الفصل بين المجموعات الاثنية المتنازعة فيما بينها تاريخيا والمتواجدة أحيانا ضمن إطار نفس الدولة أم المحافظة على هذه الدول مع خطر حدوث مجازر إبادة بين فترة وأخرى؟ هذا مع الإشارة إلى أن الحدود القائمة بين الدول اليوم هي بالدرجة الأولى من مخلّفات الاستعمار.
ويذكّر المؤلف أن السيطرة الأوروبية على إفريقيا قديمة وجرت بسرعة كبيرة. ففي عام 1875 كان هناك عشر القارة الإفريقية «تحت السيطرة» الأوروبية وفي عام 1895 كان عشرها فقط «خارج السيطرة» الأوروبية. بالمقابل كان جلاء الاستعمار سريعا هو الآخر ففي عام 1945 كان هناك أربعة بلدان إفريقية فقط تحظى بالاستقلال، وبعد عشرين سنة كانت قد أكملت كلّها مسيرة استقلالها، ولو كان ذلك مرفقا أحيانا ببعض الشروط التي تعيق جديا من حرية مواطني البلدان الإفريقية «المستقلة».
ولقد اختار «غي ارنولد» بداية تحليلاته زمنيا عام 1945، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها الكثير من الأفارقة وعرفوا الأوروبيين و«نقاط ضعفهم» عن قرب. وخلق ذلك دينامية قادت إلى ما عُرف بـ «عقد الأمل»، والمقصود به سنوات الستينات. وتلاه «عقد الواقعية» في السبعينات.
الكتاب: قاموس تاريخي للحروب الأهلية في إفريقيا
تأليف: غي ارنولد
الناشر: سكاركرو لندن 2008
الصفحات: 536 صفحة
القطع: المتوسط
Historical dictionary of civil wars in Africa
Guy Arnold
Scarecrow Press London 2008
536.P
