كما كانت العادة بالنسبة للأعمال السابقة لبطل التنس السابق دونيس غروزدانوفيتش، أثار كتابه الجديد: «الفن الصعب لعدم القيام بأي عمل» اهتماما كبيرا عند صدوره منذ أسابيع قليلة.هذا الكتاب الجديد هو نوع من مديح «الكسل»، وإنما المموّه بتعبير «عدم القيام بأي عمل». ذلك أن صاحب هذه الكلمات يمتلك حظ عدم الحاجة إلى العمل وأن يمضي أوقاته مسترخيا، ويدعو الآخرون ممن يستطيعون ذلك، إلى أن يفعلوا الشيء نفسه.
وهذا ما يلخصه بالقول: «أن يعيش المرء حسب إيقاعه الخاص، وأن يقرأ كتبا لمؤلفين طواهم النسيان وأن يلعب بكرة المضرب دون أن يكون محكوما بذهنية الرهانات والمباريات والفوز، والخلود إلى القيلولة في عمق حديقة المنزل وتأمل سرب من الطيور المهاجرة وإعادة التفكير بأحلام المساء».هذا هو «المشروع» الذي يدعو إليه المؤلف وينبّه مباشرة إلى أن كل هذه «التجارب الخفية» أصبحت اليوم شبه مستحيلة في عالم الضجيج الذي نعيش فيه. ويرى أن المعضلة اليوم تكمن في عدم القدرة على الإجابة على أحد الأسئلة الصعبة اليوم وهو: كيف يمكن المحافظة على متعة اللحظة؟ هذه اللحظة التي أصبحت مسروقة بهموم الحياة المتكدّسة كضريبة مباشرة للتعقيدات التي أنتجتها التكنولوجيات.
وأمام مثل المعضلة التي تطرحها مستلزمات المجتمعات المعاصرة يعود المؤلف بقارئه إلى ينابيع الحكمة الصينية مع كونفوشيوس والطاوية وإلى أجواء البراءة «المنسية» من زمن الطفولة. هذا كله بعيدا عن حالات «الهذيان الاستهلاكي» أو عن لحظات الانفعالات المشبوبة التي تخلقها «رياضات الاستعراض».
إن المؤلف يعلن عن نفسه بطريقة واضحة أنه «متواطئ» مع «الزمن الضائع». وله أسبابه في ذلك. وهو يحددها بالقول إن تجاربه في الحياة أثبتت له أن «الزمن الضائع» هو دائما الذي «كان الإنسان قد استخدمه أفضل استخدام». بل ويمكن اعتبار هذه المقولة بمثابة الحكمة الأساسية للكتاب، ذلك أنه في هذه «المنطقة» التي يمكن تصنيفها بـ «زمن ضائع» بكون الإنسان «بعيدا عن الزوابع» وبالتالي تكون أمامه فرصة حقيقية كي «يلتقي مع نفسه».
وأن يفكر حول كل شيء ولا شيء بكل حريّة بعيدا عن حسابات المجتمع والمصالح والكسب والأرقام. وفي تلك الحالة من «عمل لا شيء تقريبا» يمكن التنعّم ببعض لحظات السلام الحقيقي الداخلي. باختصار يمكن في هذه اللحظات «الضائعة» أن «يحاكي الإنسان الطبيعة ويدرك دلالة ما لا يستمر سوى لحظات عابرة قصيرة».ويؤكد المؤلف أنه «لا يخترع أي شيء في كل ما يقوله».
ولكنه تعلّمه وأخذه من «وصفات قديمة» نسيتها الأزمنة الحاضرة باسم عناوين كثيرة لكنها تصب كلها في خانة «الاستسهال» والوقوع في أسر نزعة استهلاكية مهيمنة تؤمن للإنسان كل شيء وتدفعه إلى الإفراط في الاستهلاك، وصولا إلى استهلاك نفسه. الخطوة الأولى المطلوبة برأي المؤلف، هي الخروج من هذا المنطق الاستهلاكي وتعلّم تأمّل الأشياء الصغيرة والأشجار والزهور وكل ما في الطبيعة من جمال. دون نسيان إمضاء لحظات في تملّي سنجاب فوق سنديانة أو قطط في الجوار أو قراءة كتابات القدماء، بل والغوص فيها.
من الملاحظ أن المؤلف يقترب في كل ما يكتبه حول «الفن الصعب لعدم القيام بأي عمل» من الأجواء «الروحانية» التأملية بحثا عن «سعادات عابرة». ولكنها بنفس الوقت تجسد «إحساسا خالدا» بالسعادة. أو ما يسميه بـ «لحظات الخلود الهاربة». ويرى أن التوصل إلى مثل هذه الحالة يتطلب جهودا حقيقية هي أكبر من قدرة «الحداثيين» على بلوغها. ذلك أنهم «فقدوا معرفة التصرّف بهذا الشكل». ويشير المؤلف هنا أنه يعرف عما يتحدث إذ أنه كان قد عاش مثل تلك الحالات «المزدحمة» بلا معنى حقيقي عندما كان نجما رياضيا تحيط به عدسات التصوير كيفما تحرّك.
ويرى المؤلف أن «فيما بعد، هو الآن بصورة نهائية وحاسمة» وأن «الزمن الجميل» منسوج من كل ما يجري عندما «لا يجري أي شيء» ثم يمكن لكل إنسان أن يجد حوله ما يدفعه إلى التأمل بحيث «لا يعمل أي شيء» وبالتالي «يشغل وقته أفضل ما يكون».
وبهذا المكان يمكن اعتبار دونيس غروزدانوفيتس كمؤلف «غير راهن» ولا يجد نفسه معنيا بكل أشكال العنف والرعب التي تعتري عالم اليوم. ولكن أليس هذا كله طريقة و«المقاومة» في مواجهة مثل هذا العنف والرعب وما يثيرانه في النفوس من خوف؟
الكتاب: الفن الصعب لعدم القيام بأي عمل
تأليف: دونيس غروزدانوفيتش
الناشر: دونويل باريس 2009
الصفحات: 330صفحة
القطع: المتوسط
L'art difficile de e presque rien faire
Denis Groidanovitch
Donoel
9002 siraP
330.P

