تعود جوستين لاكروا، الأستاذة في جامعة بروكسل الحرة ببلجيكا إلى بحث الموضوع الذي طالما اهتمت به والخاص بمسائل الهوية والمواطنة في إطار البناء الأوروبي الموحّد، وذلك تحديدا من زاوية «الفكر الفرنسي أمام امتحان أوروبا»، كما يقول العنوان.

إن المؤلفة تقدّم الفكر الفرنسي الخاص بالبناء الأوروبي عبر ثلاثة تيارات يتم تحديدها حسب مفاهيمها حول العلاقة بين القانون والسياسة داخل الاتحاد الأوروبي وأثار ذلك على مسألة الهوية. وهكذا يتم التمييز بين مفهوم قد يشكل تهديدا للهوية السياسية ومفهوم يقول بإمكانية التوصل إلى هوية كونية جامعة أومفهوم خيبة الأمل من نزعة كونية ؟

يونيفرسال- تتجاوز الهوية، أو «ما بعد الهوية»، على غرار «ما بعد الحداثة».وتبدأ المؤلفة بالحديث عما تسميه «المفارقة» أو «حالة الشيزوفرينيا» الموجودة في صميم البناء الأوروبي. فمن جهة هناك الزعم بتوخي نزعة كونية قانونية وديمقراطية صافية متحررة من الأمة ومن السياسة، ومن جهة أخرى القول بضرورة وجود جوهر سياسي لهذا البناء الأوروبي.

كذلك تشير المؤلفة منذ البداية إلى أن اهتمام الفلسفة السياسية الفرنسية بتطور البناء الأوروبي هو حديث العهد تماما ولم يجعل مفكرون فرنسيون من هذا البناء موضوعا لدراساتهم إلا اعتبارا من سنوات التسعينات المنصرمة. وانطلاقا من أعمال هؤلاء تقول المؤلفة أنها كشفت عن ثلاث مقاربات «تيارات» فرنسية متباينة لأوروبا.

وهذه المقاربات تشكل «الامتحان أمام أوروبا». وهي تؤكد القول أن «ثلاث مقاربات سائدة يبدو أنها قد صاغت اليوم الفكر الفرنسي حيال أوروبا». وتضيف: «إن تباينات قد ظهرت على مدى جيل واحد فيما يخص الدلالة التي ينبغي إعطاؤها لمفاهيم القانون داخل الإطار الديمقراطي الأوروبي».

وعلى قاعدة مجموعة من المفاهيم التي تنتمي بالأحرى إلى «الفلسفة السياسية» الفرنسية كما طرحها مفكرون عديدون، يتم التأكيد أن أوروبا الموحّدة تعاني من تشوش حقيقي فيما يخص العلاقة بين الانتماء إلى هوية وطنية محددة وبين الانتماء إلى هوية أوروبية ما بعد الوطنية، أو ما فوق الوطنية.

هكذا يتركز النقاش اليوم حول مسألة «المجال» أو «المكان» الذي سيتحقق فيه، أو عليه، الاندماج الأوروبي المتكامل. وهذا ما يطرح على الجميع سؤال: ما هي الحدود الجغرافية لأوروبا، وكذلك ما هي الحدود السياسية والحدود القانونية التي يمكنها أن تؤمن للبناء الأوروبي شرعيته الضرورية؟

ثم إن النقاشات حول شرعية الاتحاد الأوروبي وترسيم حدوده تندرج في سياق الجدل العام للمكانة التي ينبغي أن تُعطى للقانون داخل مجموع ديمقراطي، بالتعريف، مثل الاتحاد الأوروبي. لقد أبدى البعض قلقهم من هيمنة سيادة القانون وكأنه «معتقد جديد» على خلفية إبعاد المجتمعات عن السياسة.

وترى المؤلفة أن التيار الفكري الغالب في فرنسا اليوم يتحدث عن «أوروبا بدون جسد»، وذلك بمعنى أن البناء الأوروبي يفتقر إلى وجود «تراب وطني» يشكل الاتحاد الأوروبي. بالتالي لا يمكن أن يكون موضوعا لنهج سياسي خاص به بدون وجود شعب وحدود وتقاليد خاصة. وغياب مثل هذا التحديد للمشروع الأوروبي، أو «عدم تحديده الجوهري» يحرمه من أن تكون له سياسته الموحدة. لذلك يتم «انحلال» هذه السياسة في عملية الانفتاح على «نزعة ديمقراطية كونية مجرّدة»، وبالتالي غير فاعلة و«غير متجسّدة». من هنا يتم التأكيد أيضاً على أن الاتحاد الأوروبي لا يملك غاية محددة و«لن يتوصل إلى نهاية».

وتنقل المؤلفة في هذا السياق عن المفكر الفرنسي «جون مونيه» قوله أن أوروبا تعاني من «الخطيئة الكبرى» المتمثلة في «اعتقادها أنه يمكن تجاهل التاريخ وصرف الاهتمام عن السياسة». وتأكيده أيضاً أنه لا يمكن لأوروبا الموحّدة أن تتجسّد فقط على قاعدة المبدأ الديمقراطي ودون التجسّد في «كيان سياسي». ثم إن أتباع «النزعة السلفية الديمقراطية» القائلة بتحقيق أوروبا تؤمن عملية «ضبط ذاتي» لمسيرتها إنما هم يتجاهلون البعد السياسي للديمقراطية. ثم إن أوروبا التي يقولون بها لا تستجيب لمطلب الأمن الذي يشكل جوهر أي بناء سياسي.

بهذا المعنى قد يكون الاتحاد الأوروبي مصدر «قلق أمني». وهنا بالتحديد يمكن عزوف مواطني البلدان الأوروبية عن المشروع الأوروبي. وهنا أيضاً يمكن إيجاد السبب الحقيقي الدفين لرفض الفرنسيين وبعدهم الهولنديين ثم الإيرلنديين، في عمليات استفتاء عام، للتصديق على المشاريع «الدستورية» الأوروبية الموحّدة.

الكتاب: الفكر الفرنسي في مواجهة أوروبا

تأليف: جوستين لاكروا

الناشر: غراسيهباريس 2008

الصفحات: 140 صفحة

القطع: الصغير

La pensée française à l'épreuve de l'Europe

Justine Lacroix

Grasset - Paris 2008

140 .p