حرص موقع «راندوم هاوس» الثقافي المتخصص في عروض الكتب على إجراء هذه المقابلة مع الروائية الأميركية سارة هوتيلينج مع صدور روايتها الأولى بعنوان «لوحات في معرض» والتي تستلهم أجواء عالم الفن التشكيلي الممزق في فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث ألقت الضوء على شخصيات الرواية ونسيجها المستلهم من نهب النازي لأكثر من مئة ألف لوحة وعمل فني من فرنسا وحدها، وأوضحت مدى تأثرها بمرحلة الدراسة التي قضتها في باريس والتي ساعدتها في إبداع التفاصيل الواقعية الدقيقة لروايتها الأولى، وأشارت إلى أنها تعكف حالياً على انجاز روايتها الثانية التي وصفتها بأنها تنتقل من أجواء التشكيل لتحلق إلى سماء الموسيقى وفيما يلي نص الحوار:
تروي «لوحات في معرض» قصة تتمحور حول نهب الفن الأوروبي في باريس خلال الحرب العالمية الثانية. فما الذي اجتذبك إلى هذا الوقت وذلك المكان ومن أين جاءت فكرة هذه الرواية؟
أقامت عائلة أبي في باريس بعد الحرب، وكان جدي يعمل رسمياً لصالح خطة مارشال، ولكنه في حقيقة الأمر كان عضواً في الأو. إس. إس. وهي الوكالة التي أعقبتها السي آي إيه، وكان يجمع المعلومات عن الجسور الفرنسية استعداداً للحرب التالية المحتملة. وقد جعلتني قصص جدتي فبورا العائدة إلى هذا الوقت أحس كما لو أنني أقمت في شارع شيفر في الأربعينيات من القرن الماضي.
وقد حدثتني عن الكونت الروسي الذي يعيش على الجانب الآخر من فناء الدار وعن تقنيين إمدادات الزيت والبنزين وكيف أن الفرنسيين كانوا يعرفون أنها أميركية عندما تسير في الشارع من خلال شعرها المتألق، حيث كان الفرنسيون يستخدمون النوع ذاته من الصابون في غسيل شعرهم الذي يستعملونه في غسيل الأرضيات والصحون، وكان الأميركيون وحدهم يستخدمون الشامبو المستورد في حقائبهم إلى جانب الجوارب النسائية والسيجار والبن.
وكانت ذكريات أبي ذكريات طفولية تدور حول اللعب بزورق صغيرة في نافورة حديقة للوكسمبورغ وارتداء سراويل قصيرة حتى في الشتاء. وقد وجدت هذه المفارقة بين ذكريات الصغار والكبار مثيرة للاهتمام، وعرفت أنني أود الكتابة عن فرنسا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي وجدتها جميلة ومثيرة للاضطراب في آن، وعرفت أنني أرغب في الكتابة عن لوحات إداوارد مانيه، وعندما كنت أتوقف عن الكتابة وانجاز الرواية كنت أبادر إلى دراسة لوحة جديدة من لوحاته وأتبين إلى أين تمضي بي.
هل صحيح أن الكثير من شخصياتك الرئيسية تقوم على أساس مستمد من أناس حقيقيين؟ كيف صادفت هؤلاء الأشخاص وما الذي اجتذبك فيهم؟
تعتبر روز كليمان هي الشخصية التاريخية الأكثر أهمية بالنسبة للرواية، فهي تستمد اسمها وجانباً كبيراً من قصتها من روز فالان، التي امتدت حياتها بين عامي 1898 و1980.
وقد بقيت فالان في متحف الفن الحديث بعد أن وضع النازيون يدهم عليه وحولوه إلى مركز لتصنيف الأعمال الفنية المنهوبة. ولم يستطع الناسون تصديق أن مثل هذه المرأة التي لا تسعى لفرض مكانتها يمكن أن تعصي أوامرهم، وهكذا فإنهم حتى عندما ضبطوها وهي تكتب قوائم اللوحات، أفلحت في إقناعهم بأن الملاحظات التي كتبتها لم تكن مهمة.
وقد أنقذت ذاكرتها الحادة واتصالاتها السرية بالفرنسيين الأحرار وتوثيقها الدقيق للقائمين بأعمال النهب والمنهوبات والجهات التي أرسلت إليها الغنائم الألوف من اللوحات وأتاحت إعادتها إلى أصحابها. والكثير من شخصيات الرواية هي شخصيات حقيقية كذلك تتراوح بين البطل ماكس وأقرب أصدقائه إليه برتران رايناش والمتعاملين في الفن، مثل دانييل هنري كانويلر ومارشال الرايخ هرمان جورينج والوسطاء الذين تعاملوا مع النازي. وعائلة بيرينزون تقدم على أساس عائلة بول روزنبرج الذي كان المتعامل الرئيسي قبل الحرب في لوحات بيكاسو وماتيس.
كم من الأعمال المنهوبة لا تزال مفقودة منذ ذلك الوقت وما الذي تعرفينه عن عمليات الإنقاذ الجارية؟
نُهبت من الأعمال الفنية في فرنسا أعداد تتجاوز ما تم نهبه من أي بلد أوروبي آخر، حيث قام النازيون بمصادرة ثلث الأعمال الفنية المملوكة ملكية خاصة، وبلغ عدد الأعمال المنهوبة، إجمالاً، ما يزيد على مئة ألف عمل فني بالإضافة إلى عدة ملايين من الكتب. ووفقاً لتقرير لجنة ماتيولي الذي أصدرته الحكومة الفرنسية في عام 2000 فإن 61233 عملاً فنياً قد تم استردادها بعد الحرب، ومنها 45441 عملاً أعيدت إلى أصحابها.
وتم وضع ألفي عمل لم يكن بالإمكان تحديد هوية أصحابها في المتاحف الفرنسية الوطنية. وفي الخمسينات بيع حوالي 13500 عمل فني ساد الاعتقاد بأنها أعمال أقل من حيث القيمة الفنية، ثم لم يتم إجراء المزيد من الأبحاث لتحديد الملاك الشرعيين للأعمال المنهوبة حتى اصدار كتاب (اغتصاب أوروبا) من تأليف لين نيكولاس وكتاب (المتحف المفقود) من تأليف هكتور فيليشيانو في التسعينات، ولا يزال مصير أربعين ألف عمل فني منهوبا مجهولاً حتى الآن. ويعتقد الكثيرون أنها موجودة في مجموعات عامة وخاصة في الاتحاد السوفييتي السابق.
ينطلق بطل روايتك ماكس بيرينزون بعد الحرب في محاولة للعثور على مجموعة عائلته الفنية المقصود واستعادتها. ورحلته في باريس المدمرة وبين أهلها هي أقرب إلى رحلة من إبداع هوميروس. هل كان هذا أمراً مقصوداً.
أعتقد أنني كنت أعرف طوال الوقت أن ماكس لن يكشف على وجه الدقة ما كان يتوق إليه وأن اللوحات ستظل هدفاً مراوغاً، على نحو ما كانت بالنسبة للعديد من العائلات. ولو أنني كان في ذهني عمل كلاسيكي، لكان عملاً لدانتي وليس لهوميروس، رحلة عبر مشهد متمزق حيث يواصل الخاطئون ارتكاب الخطايا نفسها التي يعاقبون على اقترافها.
بينما يهز الفقدان القلب في هذه الرواية، إلا أنها في جوهرها رواية عن العائلة والتراث والحب الذي يواصل البقاء بعد أن يتم اقتراف كل الأعمال الفظيعة. هل كانت فكرة الميراث هذه الخاصة بالأشياء المرئية وغير المرئية مهمة بالنسبة لك خلال انطلاقك لكتابة هذه الرواية؟
نعم، حتى عنوان الرواية يتناول هذه الفكرة المتعلقة بما يبقى. وهي نابعة من متتالية موسوروسكي للبيانو العائدة إلى عام 1874، والتي كتبها موسوروسكي تخليداً لذكرى فيكتور هارتمان، وهو فنان مات في شرخ الشباب. وقد أقام أصدقاء هارتمان معرضاً للوحاته بعد وفاته وحضره موسوروسكي. وكل حركة من عمل موسوروسكي تأخذ عملها من لوحة من معرض هارتمان. وهذه اللوحات الموسيقية مرتبطة بموضوعية (البروموناد) في بي ميجور، التي قال موسوروسكي إنها تشير عضوياً إلى مدى الوقت الذي يتطلبه الأمر للسير من لوحة إلى أخرى في المعرض، وهذه اللوحات جميعها فقدت، ولم تبق إلا الموسيقى وحدها.
منى مدكور
