تحاول الكاتبة البحرينية منى فضل، ومن خلال هذا الكتاب، الكشف عن الأوجه المتعددة لحقيقة تربية المرأة في مجتمعاتنا في إطار الثقافة السائدة ومنظومة العادات والتقاليد والقيم، وهي الحقيقة التي تم التعاطي معها باستخفاف أو بالاستناد إلى الخطاب النسوي القابع خارج مجتمعه في مفاهيم النسوية العالمية، أو الخطاب الرسمي أو الديني ذي التوجه الأيديولوجي، خاصة في إطار الإدراك العام لعملية التربية باعتبارها أمراً معقداً متشابكاً ومركباً، تتداخل عناصرها وتتشابك وتتفاعل في إطار المؤسسات التي تقوم عليها.
يتناول الكتاب مسألة الازدواجية التي تتسم بها بعض خطب المؤسسات الأهلية والاجتماعية والسياسية والدينية الرسمية تجاه أدوار المرأة في المجتمع البحريني لاسيما الشأن السياسي. وتقدم المؤلفة نقداً لتلك الأفكار والآراء والتي تتأسس على فكر تقليدي جامد وأسلوب تربية تسلطي تلقيني، بما ينعكس سلباً على المرأة وإعدادها لممارسة دورها السياسي ومشاركتها في الحياة العامة للمجتمع.
ترى منى عباس أن أساليب التربية في الأسرة البحرينية تقوم بتشكيل عقلية المرأة منذ طفولتها وتعويدها على سلوك الطاعة والتبعية والخضوع، وهي العناصر التي تحد من تنمية روح المبادرة والتواصل والمشاركة لديها، كما أنها تحد من واستقلاليتها ونظرتها الإيجابية نحو ذاتها ونحو دورها في المجتمع.
إن الأسرة باعتبارها مؤسسة أولية بسيطة لها دور تربوي في إعداد المرأة البحرينية لدور فاعل في النشاط السياسي، إنما تقوم بدور نمطي محدد بمعايير ثقافة المجتمع السائدة وقيمة، التي امتزجت مع الموروث والمذهب وعادات القبيلة والوضع السياسي والاقتصادي وثقافة الاستهلاك، الأمر الذي يسهم في تبعية المرأة وتهميشها وعدم اكتراثها لقضايا المجتمع وشؤونه.أما بالنسبة للمؤسسات النظامية التي تساهم في تشكيل وعي المرأة، فيأتي على رأسها المدرسة.
ومن بعد دور الأسرة مباشرة من حيث الأهمية. غير أن الأسلوب التلقيني الذي يتميز به النظام التربوي العربي عموماً، والبحريني في السياق، يحد من إمكانات تنمية قدرات المرأة وتطويرها، وذلك بالتزامن والتفاعل مع منظومة الثقافة المجتمعية السائدة. وهو الأمر الذي يدعو الكتابة إلى المناداة بإحداث تغير في بعض جوانب العملية التربوية والتعليمية وبعض القوانين والإجراءات التي تعوق عمل المعلمات والناشطات في الحقل السياسي والاجتماعي في إطار سعيهن للقيام بأدوارهن.
لقد ساهمت التغيرات السياسية التي حدثت في بداية العقد الحالي والمتمثلة في صدور الدستور عام 2002، وتوقيع البحرين على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) في عام 2002، وما ترتب عليهما من منح المرأة البحرينية كامل الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالمساواة مع الرجل.
وانفتاح المجتمع البحريني على قيم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة، ما دفع بالمزيد من المطالبة بإشراك البحرينيات في الشأن العام من قبل بعض النخب السياسية بالمملكة، وتمكينها من الوصول إلى مواقع صنع القرار في السلطة التشريعية والمناصب العليا في أجهزة الدولة. إن رغبة مملكة البحرين في تمكين المرأة سياسياً، يتطلب مراجعة قوانين وزارة التربية والتعليم وإجراءاتها الصارمة التي تحد من حرية المعلمات في تربية الفتيات على الاهتمام بالشأن السياسي، كما تتطلب مراجعة مناهج التعليم وتنقيتها.
ومن جهة أخرى يتطلب ذلك قيام الجهات التشريعية بالإسراع بتعديل القانون المنظم لنشاط الجمعيات النسائية لكي يفسح المجال أمام العضوات للقيام بأدوارهن في المجال نفسه. إن التوجه الذي تبنته مملكة البحرين من خلال طرح المشروع الإصلاحي الديمقراطي في بداية الفرن الحالي، فرض عليها العدبد من الالتزامات والمسؤوليات تجاه تحسين أوضاع المرأة البحرينية، وخاصة ما يتعلق بمشاركتها في العمل السياسي، وإعداد الكوادر النسائية المؤهلة لمسايرة التحولات والانتقال بالمجتمع من وضعه الحالي إلى واقع أكثر إنصافاً في تعامله من المرأة كشريك للرجل في بناء المجتمع والارتقاء به.
وهو ما جعل المجلس الأعلى للمرأة في البحرين، والذي أنشأ بأمر ملكي عام 2001، يتحمل مسؤولية مشروع التمكين السياسي للمرأة البحرينية، ووضع خطة زمنية له. أما وزارة التربية والتعليم فقد قامت بتحديث مادة التربية الوطنية عام 2006، وضمنتها مفاهيم مبسطة حول الديمقراطية والدستور والمواطنة وعلاقة المواطن بالدولة ومشاركة المرأة السياسية وما شابه ذلك من مواضيع. إلا ان ذلك لا يكفي لإحداث تغيير نوعي في ذهنية النشء تجاه دور المرأة في المجتمع، حيث أن نتائج عملية تغيير مناهج التربية يحتاج إلى زمن تتراكم فيه تلك المفاهيم لكي تستلهمها المرأة عبر الممارسة، ويتقبلها المجتمع من جهة أخرى.
الكتاب: التربية السياسية للبحرينيات الأثر والرؤيا
المؤلف: منى عباس فضل
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت2008
الصفحات: 248 صفحة
القطع: الكبير
محمد جمعة
