يترافق الفساد مع تشوهات يخلقها المسؤولون أنفسهم، من أجل الحصول على «ريع» الفساد، الذي يؤدي إلى الأضرار بالنمو الاقتصادي وبالتنمية الاجتماعية.
يتناول هذا الكتاب العلاقة الكائنة بين الفساد والفقر، بوصفهما ظاهرتين منتشرتين في مختلف أنحاء العالم، مع التركيز على انتشارهما في البلدان العربية، ويعرض لمختلف أشكال الفساد المالي والاقتصادي والسياسي والإداري، معتبراً أن الفساد تفاقم مع تصاعد سياسات الانفتاح الاقتصادي واتساعها، والنشاط المتزايد لرفع القدرة التنافسية للمنتجات.والذي ترافقه حركة الأموال، وحركة غسل الأموال، المتصلة بالجريمة المنظمة. ويبدو أن الفساد وصل في تسعينيات القرن العشرين المنصرم إلى درجات غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم، لذلك تزايد الوعي لضرورة مكافحته. وتبيّن الأبحاث العديدة التي نشرت من قبل المؤسسات المتخصصة بمكافحة الفساد الكلفة الباهظة التي يتطلبها القضاء على الفساد، كما بيّنت دوره في إعاقة النمو وتخريب التنمية على المستوى الاقتصادي، وانعكاس ذلك على الوضع الاجتماعي في أي بلد يعاني تلك الآفة الخطيرة.
ويرى المؤلف أن مكافحة الفساد تقتضي الدعوة إلى إقامة الندوات والمؤتمرات حول هذا الموضوع الشائك والمعقد، ووضع الأبحاث والدراسات التي تفضح الطرق والأساليب الشيطانية التي يلجأ إليها المفسدون. وهي أساليب مبتكرة في غالب الأحيان. وذكرت منظمة الشفافية الدولية على لسان رئيسها أن حجم الخسائر التي تلحق بالاقتصاد العالمي نتيجة انتشار ظاهرة الفساد بأشكالها المختلفة يقد بأكثر من 400 مليار دولار سنويا.
كما أوضح أن ظاهرة الفساد أصبحت من المظاهر الرئيسية التي تهدد جميع أشكال التطور التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتؤثر سلبا في مسيرة الدول الاقتصادية وسعيها لتحقيق أعلى معدلات النمو، ورأى أن الفساد في العديد من دول العالم ينطلق أحيانا من ضعف السلطة السياسية أو نتيجة إغفال تطبيق القوانين.
وتُعرف منظمة الشفافية العالمية الفساد بأنه: «استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة». أما البنك الدولي فيعرف الفساد بأنه «إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص».
وعليه فإن الفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة تقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية. كما يمكن الفساد أن يحصل عن طريق استغلال أو سرقة أموال الدولة مباشرة».
ويمكن تبيان آليتين رئيسيتين من آليات الفساد من خلال هذا التعريف، أولها آلية دفع الرشوة والعمولة إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة وفي القطاعين العام والخاص مباشرة لتسهيل عقد الصفقات وتدبير الأمور. أما الثانية فهي الرشوة المقنعة في شكل وضع اليد على المال العام والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي. وهذه الظاهرة هي الأكثر انتشاراً في البلاد العربية.
وقد أدت عمليات الخصخصة التي جرت في كثير من بلدان العالم إلى ظهور نوع جديد من الفساد هو التوجه لبيع أملاك الدولة بواسطة المسؤولين الحكوميين لتحقيق المصالح الشخصية.
ويقع هذا النوع من الفساد في فئة الفساد «الكبير» الذي يخالف القانون والذي يحدث عادة في بلاد لا تحترم قوانينها، ويؤدي ذلك إلى تسرب الفساد إلى الجسم القضائي المؤتمن عادة على إحقاق الحقوق وضمان العدالة.
وإذا تركنا مؤقتا الفساد «الاقتصادي» واتجهنا إلى الفساد «السياسي» لوجدنا أنه أخطر بكثير، كونه مرتبط عادة بتفصيل قوانين انتخابات وتمويل حملات إعلامية تضمن لبعض السياسيين الاستيلاء دون وجه حق على مناصب حكومية رفيعة لا يستحقونها، لانعدام المواهب القيادية فيهم.
ويخلص المؤلف إلى اعتبار الفساد ظاهرة اقتصادية واجتماعية وسياسية توجد في كل دول العالم، وإن كان الأمر متفشيا في البلدان التي يدعونها بالعالم الثالث، حيث يتم الوصول إلى الحكم عادة بطرق غير مشروعة.
ويتشخص الفساد في قيام السياسيين باستغلال مراكزهم من أجل المصلحة الخاصة، ويحصل الفساد عادة في خطوط التماس بين القطاعين العام والخاص.
ويؤدي الفساد إلى نتائج سياسية واقتصادية في غاية الخطورة. فهو يؤدي أولاً إلى الانخفاض في مستوى الأداء الحكومي، ويشيع أجواء من عدم الثقة، وينشر الإحساس بالظلم، وتالياً إلى تقويض الشرعية السياسية للدولة. ويترافق الفساد مع تشوهات يخلقها المسؤولون أنفسهم، من اجل الحصول على «ريع» الفساد، الذي يؤدي إلى الأضرار بالنمو الاقتصادي وبالتنمية الاجتماعية. ويتبدى كل ذلك في العقود التي تجريها الدولة مع الشركات والمقاولين، والتي تحمل في طياتها كل ألاعيب الغش.
وتتجسد النتيجة السياسية الأولى للفساد في التسبب في إضعاف الدولة وهيبتها، وعند ذاك تتهاوى الرقابة والمتابعة، وينتشر جو الفساد. أما الحكم على مدى قوة أو ضعف الدولة فيمكن ملاحظته من مدى الغموض أو الشفافية في معاملات الدولة الاقتصادية، وفي مدى إتباع الإجراءات والنظم الموضوعة في التعيينات، وفي قصور أو فاعلية أجهزة الرقابة.
غير أن مفردة الفساد يمكن أن تكون مضللة أحياناً، نظراً إلى حمولتها الأخلاقية، التي توحي بأن أصل الظاهرة يرجع إلى خراب ضمائر بعض الأفراد أو كثير منهم أو حتى كلهم. لكن عند استخدام هذه المفردة ينبغي التركيز على الفساد بوصفه علاقة اجتماعية وسياسية، ويتصل بجملة موازين القوى الاجتماعية وعلاقات الطبقات ونمط التراكم المادي في المجتمع المعني.
وتؤكد الدراسات المتخصصة وجود علاقة قوية بين نسبة الإنفاق العسكري والفساد، أي أن الحكومات الأكثر فسادا تميل إلى الإنفاق العسكري الأكبر، بسبب انعدام الرقابة الفعالة على هذا النوع من الفساد.
الكتاب: الفقر والفساد في العالم العربي
المؤلف: سمير التنير
الناشر: دار الساقي بيروت 2009
الصفحات: 159 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش

