يتضمن هذا الكتاب الذي يعبر عن جهد فردي مجموعة مقالات للمؤلف يتناول من خلالها جوانب من حياة الماضي في الإمارات بشيء من المقارنة اليسيرة ببقية دول الخليج العربية بالإضافة إلى ملحق عبارة عن معجم مختصر للموسيقى والفنون الشعبية في الإمارات.
في البداية يحدثنا المؤلف عن السفن وأهميتها في منطقة الخليج قديما فيشير إلى أنها كانت تمثل وسيلة إلى أكبر مصادر للرزق في تلك الأيام ألا وهو البحر. ومن هنا كان الاهتمام بالسفن والبراعة في صناعتها وهي الحرفة الخليجية المعروفة بـ «القلافة» ويسمى العامل بها «قلافا» بتشديد اللام أو جلافا إذ نقلب القاف جيما أحيانا. وكانت السفينة يطلق عليها «الوشار» ويعزو البعض هذا اللفظ إلى عملية نشر الأخشاب بالمناشير وهي المياشير باللهجة المحلية وكانوا يحرصون على انتقاء الأخشاب الجيدة لهذه الصناعة وفي هذا السياق يقول الشاعر:
الناس تاشر سايه .. وأنا وشرت شتور
أي أن الناس بنت مراكبها من خشب الساج الهندي الجيد أما أنا فبنيت مركبي من خشب الشتور الذي هو ردئ وتالف.
وتحت عنوان «أعرف زمانك» يشير لنا المؤلف إلى اشتهار فن غنائي بين عرب الخليج منذ أكثر من قرن وإلى الآن يعرف بفن الصوت وهو من حيث التسمية قديم فقد كانت العرب تعرف نوعا من الموسيقى والغناء يسمى بالصوت منذ أيام الدولة العباسية وربما من قبل. وآلة الإيقاع في الصوت هي «المرواس».
وهو طبل صغير يحمل على كف اليد ويسمى الضارب عليه المروس. وقد كان هذا الفن شائعا في البحرين، كما طوره ونشره في الكويت الفنان والشاعر عبد الله الفرج، إلا أنه اشتهر في الخليج بعامة بعد أن ظهرت إبداعات الفنان البحريني الكبير الشيخ محمد بن فارس آل خليفة الذي طور طريقة في العزف والتلحين والغناء لم يسبق إليها بشهادة الكثير من معاصريه.
وينتقل بنا المؤلف إلى مجال آخر تحت عنوان شجرة «همبو بو الروان» يتحدث من خلاله عن دور الأشجار والنباتات بالنسبة للإماراتيين حيث وفرت مجمل عناصر الحياة فمنها الغذاء والفاكهة والدواء ومواد السكن والإقامة وأغراض المعيشة. وفي هذا السياق هناك مثل مشهور محليا وخليجيا يقول :
لو كل من يا ونير / نجر ما تم في الوادي شير/ شجر
وهو مثل له دلالة ضمنية على أهمية الأشجار في البيئة المحلية إذ بالإضافة إلى معناه المباشرة تدل صيغة المثل واختيار مفرداته على عظم مكانة الأشجار والنباتات كمصدر للوقود وتفعيل الحياة اليومية بالنسبة للإنسان في هذه المنطقة.
ويحثنا المؤلف تحت عنوان «سنقباسي» عن تجارة اللؤلؤ التي اشتهرت بها منطقة الخليج في السابق والذي كانوا يسمونه محليا «ليلو ؟ بتخفيف الياء» والمفردة منه «ليلوه» والتسمية الأشهر عندهم وفي الخليج كله «قماش» والمفردة منه «قماشة».
ويذكر أن هذه التجارة كانت تدر على المنطقة الربح الوفير ويسترزق منه العامة والخاصة لذا كان البعض يسمى الكفاح والاجتهاد في الغوص على اللؤلؤ مناهبة الرحمن وقد اجتهدوا في ضبط مسائل الغوص وعملياته وأدواته كما وضعوا الخرائط الدالة على (الهيرات ؟ بتخفيف الياء / مغاصات اللؤلؤ) ومن أشهرها خريطة «النالية» التي وضعها الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم في ثلاثينيات القرن الماضي.
ويذكر المؤلف أن العاملين في سبيل جلب اللؤلؤ كانوا ؟ أحيانا ؟ يدفعون ثمنا كبيرا لذلك وهو الهلاك في مخاطر البحر وأهواله وفي ذلك قصص وأساطير عدة. ويذكر أنه لا يخفى على العارف بالبحر المخاطر التي يحتويها. ففي أعماقه تجول «اليرايير» وهي أسماك القرش الخطيرة وهى أول ما يخطر على بال الكثيرين ممن يقرأون عن الغوص أو يستمعون إلى أخباره السالفة.
وعن التنقل يطوف علي العبدان من خلال «عبرة سهاله» على قضية المواصلات فيذكر أنها كانت تعتمد قديما في المنطقة على الوسائل الطبيعية فكانوا يسافرون برا بواسطة الخيل و(الركاب ؟ بالكاف المشنشنة) أي الإبل وكانوا ينقلون القش أو القشار وهي الأغراض والأمتعة بواسطة الحمير القوية التي كانت تحمل أيضاً مواد البناء كـ (اليص / الجص) والحجارة من منطقة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال كانوا ينقلون (اليص) من منطقة القصيص إلى بقية دبي وبعض مناطق الشارقة على الحمير وقد سميت القصيص بهذا الاسم لأنهم كانوا يحرقون بها الجص ويقصونه أي يقطعونه.
أما السفر بحرا فكان يتم ؟ كما هو معروف ؟ عبر سفن السفر الكبيرة كالبوم والسنبوق والبغلة والبتيل ونحوها. أما الخيران ومفردها خور ؟ وهو لسان من البحر داخل اليابسة ؟ فقد كانوا يعبرونها من جهة إلى أخرى بالعبرات وهي قوارب صغيرة تسير في الماء بالتجديف إذا كان الماء غزيرا أما إذا كان الماء ليس بالغزير فإنها تسير بواسطة الفريسة وتتخذ الفريسة من الباسكيل ؟ بالكاف المشنشنة *وهو نوع من أعواد البامبو فيتم دفع القارب بالفريسة عبر ضربها بقاع البحر تماما كطريقة التنقل المائي في البندقية ؟ فينسيا ؟ بإيطاليا.
وضمن ماضي الإمارات والخليج يتطرق المؤلف إلى صناعة التبغ فيذكر لنا أنها ترتبط بكثير من الانتقاد بسبب آثارها غير الصحية لذا ينبه إلى أنه ليس المقصود بهذا التناول التشجيع على عادة التدخين وإنما المقصود ذكر وحفظ بعض الصور الماضية لعادات الناس وأدبياتهم في هذا الشأن.
ومما يشير إليه المؤلف في هذا الخصوص أن زراعة التبغ وإعداده للبيع صنعة كانت تشتهر في المناطق الشرقية من الإمارات وبخاصة في رأس الخيمة التي أصبح تبغها أشهر من نار على علم طيلة العقود الماضية وحتى الآن. ويذكر أنه في زيارة له إلى سوق «واقف» في قطر عام 2006 استوقفه صاحب مقهى شعبي حين علم أنه من الإمارات وسأله ما إذا كان غليون رأس الخيمة ما زال موجودا.
الكتاب: من ماضي الإمارات والخليج
تأليف: علي العبدان
الناشر جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح الشارقة 2008
الصفحات: 90 صفحة
القطع: المتوسط
ألفت عبد الله
